آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ١٥٠لنفسه، بينما يرى المثبتون أنَّه لعلمه بالجائزات طلبها؛ لكنّ القرآن لا يدلّ على أَنَّ الأنبياء يعرفون كلّ المستحيلات والجائزات، فمن الأنبياء من طلب ما لا علم له به، كما قال الله تعالى لنوح u: ﴿فَلاَ تَسْئَلَنِّي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنِّيَ أَعِظُكَ أَنَّ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 46](1) لذا؛ فالآية لا تدلّ بالضرورة على جواز الرؤية لمجرّد هذا الطلب، ولكن مع هذا فإنَّ حجّة من ينفي الرؤية بهذه الآية أقوى: إذ أنَّ المثبتين يرون أَنَّ النبيء يعلم أَنَّ الرؤية جائزة في حقّ الله تعالى لذلك طلبها، وهذا يقتضي أنّه لعلمه بالله يجب أَن يكون عالما بامتناعها في الدنيا أيضا، فلماذا طلبها؟ وهذا ما يؤيّد كونه لم يطلبها لنفسه وهو العالم بالله، الصادق في إيمانه، وهل سيطلب يقينا أكبر من الوحي والتكليم والمعجزات التي تجري على يده؟ كلّ هذا وغيره لا يحتمل في حقّ النبيء مِمَّا يقوِّي حجّة من ذهب إلى أَنَّ سبب طلب موسى للرؤية هو انتهاج طريقة لإقناع القوم حَتَّى يؤمنوا به.
أَمَّا في أثر النفي بـ «لن»: فقد ذهب المثبتون للرؤية إلى أنّه لا يفيد التأبيد، بل هو للنفي المقيّد في الزمن، ولذا فالآية تدلّ على نفي الرؤية في الدنيا دون الآخرة(2). بينما قال النافون إنَّها تفيد النفي المؤبّد المطلق في الزمن، والرؤية منفية في الدنيا والآخرة(3). أمّا الشيخ اطفيش فقد كان في أوَّل عهده على رأي مذهبه الذي يقول بتأبيد النفي بـ «لن»، واستشهد بقول الربيع في الجامع الصحيح أَنَّ «لن» حرف إياس، وكذلك برأي الزمخشري المؤيّد للتأييد(4)؛ لكن الشيخ لم يثبت على هذا الرأي وغيَّره ورأى أَنَّ الصحيح في نفي «لن» أنَّه ليس مطلقا مؤبَّدا، بل هو نفي مثل النفي بالحرف
(1) الوارجلاني: الدليل: 1/ 66.
(2) البغدادي: أصول الدين: 99.
(3) عبد العزيز الثميني: معالم الدين: 2/ 32؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 327.
(4) الزمخشري: الكشاف: 2/ 133؛ الربيع: الجامع الصحيح: 237؛ -الهميان: 6 ق 1/ 206.