آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية مصطفى بن الناصر بن حمو وينتن

آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية

الجزء ١ · صفحة ٢٠٦

وأمّا في الثانيّة وهي قضية هاروت وماروت: فقد قال الله تعالى في شأنهما: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنَ اَحَدٍ حَتَّى يَقُولآَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 101]؛ وفي مناقشة هذه المسألة يشير الشيخ اطفيش أوّلا إلى ما تُردّده بعض الكتب، وإلى ما ينسبه أهل الكتاب إلى الملكين من المعاصي، وأقبح ذلك فاحشة الزنا، قال: «وذلك غير معقول ولا منقول عن رسول الله e وقد أكثروا فيهما»(1)، وقد أحسن الشيخ صنعا في نقد هذه الأقاويل وعرضها على العقل والنقل، فقطع بهذا السبيل أمام احتمال وقوع الملائكة في معصية ممّا ينسبه إليهم أهل الكتب، وهذا الموقف يدلّ على نموذج من النقد والتمحيص في آثار الشيخ اطفيش، لذلك فهو ينسب إلى الملكين السحر الذي نسب إليهما في القرآن الكريم لكن ليس بمعنى أنّهما كانا يؤذيان الناس به، بل كانا يعلّمان السحر ليبصّروا الناس به، وليردّوا عنهم مكايد السحرة وادعاءاتهم، وليعلموا أنّ السحر فتنة فيجتنبوه، فالملكان لم يكونا يفعلان السحر بل يعلّمانه، وقال الشيخ إنّ الضمير “الواو” في “يعلِّمون” يحتمل أن يعود إلى الشياطين، وإنّ “ما” في “ما أنزل” ليست موصولة بل “ما نافيه” فيكون معنى الآية: إنّ الشياطين هم الذين يعلّمون الناس السحر، ولم ينزل هذا السحر على الملكين(2).

إلاّ أنّ هذا الموقف يبقى غامضا للاحتمالات التي بُني عليها، ولنسبة تعليم السحر فيه مرّة إلى الشياطين ومرّة إلى الملكين، والمهمّ في رأي الشيخ هو استبعاد نسبة العصيان إلى الملكين، ووصفهما كغيرهما من سائر الملائكة بالعصمة، وما زالت المسألة تفتقر إلى دليل نقليّ واضح يفسرّها ويخرج عنها الاحتمالات العقليّة؛ وهي مثل سائر

(1) أي أكثروا في شأنهما وفي نسبة المعاصي إليهما، انظر: -الشامل الأصل والفرع: 1/ 54.

(2) - المصدر نفسه: 1/ 53.

٢٠٦ / ٦١٢