آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠وكثرتهم؛ ولم يقدم على قبيح قطّ، قبل النبوّة ولا بعدها، وحمل مشاقّ العدوّ وصبر عليها»(1)؛ وهذا دليل قويّ ومتين في إثبات وقوع نبوّة سَيِّدنَا مُحَمَّد e؛ فالمواقف التي وقفها في حياته، والأخلاق التي اشتهر بها لا تصدر إلاّ عن نبيء مرسل، لذا أمكن الاستدلال بها على أنّ النبوّة ثبتت حقيقة، وقد اتّفق الشيخ اطفيش في هذا الاستدلال مع علماء سبقوه ومنهم: أبو منصور الماتوريدي(2)، وأبو عمَّار عبد الكافي(3)، واكتفى في إثبات النبوّة بهذين الدليلين، وبقي الموضوع مفتقرا إلى أدلّة أقوى تسنده، وتعتمد على تحليل بعض نصوص القرآن للدلالة على أنّه لم يكن من افتراء الرسول e.
هذا عن دليل وقوع النبوّة وإمكانها، أمّا عن إثبات الحاجة إليها فإنّ الشيخ اطفيش يسلك فيه المسلك التالي: إذ يبيِّن أنّ النبوّة أداة للعلم بالدنيا وتسييرها، ومعرفة سبيل سعادة الإنسان الحقيقيّة، وهذه المقاصد يقصر العقل عن بلوغها؛ فالنبوّة ضروريّة ليصل الإنسان إلى ما يصبو إليه من سعادة، ويدلّل على صحة هذا بالمقارنة بين وظيفة النبيء ووظيفة الطبيب؛ فكلاهما يعالج أمراضا، ويصف أدوية، ولكنّ الفرق بينهما في مصدر علميْهما، فمصدر الطب كسبيّ تجريبيّ، أمّا النبوّة فمصدرها إلهيٌّ وطريقها الوحي فقط، ويقول الشيخ اطفيش: «والنبيء يعلم ما لا يَعلم من الله، بخلاف الطبيب، إذ يمكن التوصّل إلى جميع ما يعلمه بمجردّ الفكر والتجربة، فإذا لم يكن هو مستغنى عنه كان النبيء بذلك
(1) - المصدر نفسه، انظر: ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 158.
(2) الماتوريدي: كتاب التوحيد: 176، 177؛
الماتوريدي: محَمَّد بن محَمَّد بن محمود: أبو منصور: إمام الماتوريدية، من أهم مؤلفاته: كتاب التوحيد، أوهام المعتزلة، انظر: الزركلي: الأعلام: 7/ 19.
(3) أبو عمار: الموجز: 1/ 302، 312.
أبو عمَّار عبد الكافي من أعلام وارجلان في القرن السابع الهجري، تعلَّم بتونس وله مؤلَّفات أشهرها: الموجز، انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 485 - 491.