آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٢٢١أولى»(1)؛ فالطبيب مع كون علمه يمكن اكتسابه فإنّ الاستغناء عنه مستحيل، فكيف بالنبوّة التي لا تكتسب؟ وتظهر حاجة الناس إلى النبوّة أكثر عندما يتعلّق الأمر بالعبادة الشرعية، فمهما بلغ التفكير في وضع أشكال هذه العبادة، وشعائرها فستبقى دائما اجتهادات؛ لأنّها فقدت أهمّ وصف فيها وهو المصدريّة والشرعيّة، وهو ما ليس للعقل إليه سبيل، ولا مصدر يبيّن العبادة المطلوبة من الإنسان سوى ما يأتي من المعبود ذاته، وكذلك الأمر بالنسبة إلى نظام الحياة، وعلاقة الإنسان بغيره، فإنه يحتاج إلى شريعة وقوانين تضبط هذا الجانب، وتاريخ البشريّة حافل بشتّى القوانين التي ينسخ بعضها بعضا، كلّما عجز قانون عن مسايرة الحياة استبدل به غيره، وبقي الإنسان في حاجة إلى شريعة تتيح له الاستقرار، لأنّ ما سنّه ظهر فيه بوضوح جهله بحقيقة نفسه، ففقدت بذلك العدالة المطلوبة، وثبت أنّه لا يستطيع التقنين للإنسان إلاّ خالقه الذي يعلم ما ينفعه ويضره، وفي هذا يقول الشيخ: «والإنسان مدنيّ بالطبع(2)؛ فلا بُدَّ له من قانون عدل محتاج إلى واضع يتميَّز عن بني نوعه»(3).
وبعد أن أثبت الشيخ النبوّة، وأظهر الحاجة إليها، ناقش حجج المنكرين، وبيّن أنّهم يختلفون في إنكارهم، وينقسمون إلى ثلاثة:
أَوَّلاً- منكرو وقوع النبوّة في ذاتها: وهؤلاء جعلوا النبوّة مستحيلة الوقوع، فلا يمكن ــ حسب زعمهم ــ أن يتَّصل عالمان مختلفان، ومن حججهم على ذلك ما يلي(4):
الأولى - قولهم: إنّه لا دليل على حقيقة المصدر الذي جاء منه الوحي، فيختلط الأمر بين الوحي من الله تعالى، أو من الجنّ.
(1) - حاشية القناطر: 2/ظ: 61، و: 62.
(2) جاءت اللفظة في المخطوط هكذا: «الطبعي».
(3) - المصدر نفسه: 2/ و: 62.
(4) - فتح الله: 2/ و: 90.