آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢وردّ الشيخ هذه الحجّة بأنّ النبيء يشعر وأنّ ما يلقى إليه من الله تعالى، وليس من غيره، والله يخلق فيه علما ضروريّا يعرف به الوحي، واكتفى الشيخ اطفيش بهذا الردّ في أهمّ جزء من إثبات النبوّة، ويبدو ردّا غير كاف؛ وما دام الإثبات في جوابه يختص بالرسول مُحَمَّد e، فإنّ الاقتصار على نصوص القرآن كاف للدلالة على كونه ليس وحي جنّ ولا أحد من المخلوقات بل هو إلهيٌّ حقيقيّ؛ يظهر في الأسلوب والمعاني التي لم يعترها أدنى تناقض أو اختلاف. أَمَّا عن الشطر الآخر من الحجّة وهو اختلاط الأمر على النبيء واختلاف جهة الوحي، فإنّه على افتراض حدوثه ــ وهو مستحيل ــ فإنّ ثبوت الوحي الأوّل ودوامه كفيل أن يصحّح له ذلك، ويبيّن للنبيء ما هو وحي صحيح وما ليس بوحي.
الثانية - قولهم: إذا كان الموحي جسما، كيف لا يُرى؟ وإذا كان من الروحانيّات فلا يتصوّر أن تتكلَّم.
وأجاب عنها الشيخ بأنّ الوحي لا يستلزم رؤية الملك الموحي، ولوكان جسدا، فليس من الضروريّ أن يراه النبيء، والله قادر على إخفائه؛ ويؤيّد هذا الردّ ما يعيشه الإنسان المعاصر من أنواع الاتّصالات المختلفة التي لا تستدعي وجود المتّصل به إلى جنبه، ولكن مع هذا فإنّ في السيرة ما يدلّ على رؤية النبيء للملك مرّتين في حياته كما جاء في الحديث عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّهَا سألت النبيء e عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى﴾ [النجم: 13]، وقوله أيضا: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: 23] فقال e: «ذلك جبريل u ولم أره في صورته التي خلق عليها إلاّ مرّتين: رأيته قد هبط من السماء فسدّ جسمه ما بين السماء والأرض»(1)،
(1) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: 212 رقم 824؛ انظر: البخاري: بدء الخلق رقم 3062، 3063؛ المعجم المفهرس: 2/ 200؛ انظر المبحث الثاني من الفصل الثالث هامش 77.