آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨لقد جاء رأي الشيخ اطفيش أقرب إلى رأي المعتزلة هنا، فهما يتّفقان في أنّ الله تعالى لا يضيع عباده، وأنّه أرسل الرسل باعتبار وجود الحاجة إليهم، لكن عبارة الشيخ كانت أكثر انسجاما وأحسن تعبيرا بما يليق لذات الله تعالى، وأبلغ في أداء المعنى، لأنه لم يهمل جانب الإرادة في بعث الرسل، بينما كان ظاهر قول المعتزلة سلب هذه الإرادة، ويؤيّد قولَ الشيخ اطفيش هذا النظام الذي وضعه الله تعالى كما شاء؛ فقد بعث الرسل مفرّقين بين الأجناس والعهود والبيئات، خصوصا لبعض الأقوام، أو عموما للبشريّة، أمّا مقتضى رأي المعتزلة فهو أن يرسل إلى كلّ جماعة من البشر رسولا، وأن تصل الدعوة إلى كلّ الناس بكلّ استقصاء في كلّ وقت، لأنّ صلاحهم يقتضي ذلك؛ وهو ما لم يقع، وبقي من الناس من لم يسمع برسالة قطّ، وهذا يدلّ على عدم وجوب البعثة على الله تعالى، يرسل كما يشاء تبعا لنظام خلقه، ولحكمة يراها حين يرسل أو لا يرسل.
فهذه ظاهرة الوحي واقعة، وظهر أثرها وحاجة الناس إليها لسعادتهم الدنيوية والأخروية، لكن ما هو الوحي؟ وكيف يقع؟
3 - الوحي وأنواعه
ا - تعريف الوحي
لم يعرّف الشيخ اطفيش الوحي لغة(1)؛ وأمّا في الاصطلاح فيرى أنّه: الإرسال،
(1) وقد قال عنه الفيروز آبادي: «الوحي: الإشارة، والكتابة والمكتوب، والرسالة والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك». أما الشيخ رشيد رضا فيقول: «فالقول الجامع في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه، بحيث يخفى على غيره، ومنه الإلهام الغريزي كالوحي إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة كالوحي إلى أمّ موسى، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان [ .... ] ووحي الله - تعالى - إلى أنبيائه قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما الخفاء والسرعة». انظر: الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مطبعة دار السعادة، د. ت: 4/ 399؛ محَمَّد رشيد رضا: الوحي المحمَّدي: 44.