آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣فليس المهمّ إثقال التعريف بالقيود ولكن في وضع التصوّر الصحيح العميق لمفهوم الإيمان؛ لذا نرى أَنَّ قول الشيخ في الإيمان ليس تراجعا عن قول سلف المسلمين؛ وَلَكِنَّهُ رجوع إلى إحياء روح الإيمان في القلوب التي كانت شبه فارغة؛ متشبّثة ببعض تقاليد وطقوس تراها هي العمل المطلوب من المؤمن؛ أو مكتفية ببعض الفرائض التي تراها هي كلّ الإيمان؛ فبقي المسلمون لذلك حيارى أمام تقدّم أعدائهم ينقضّون على ممتلكاتهم ينقصونها من أطرافها كلّ يوم؛ ولا يملكون دفعهم؛ فكان لاَ بُدَّ من إحياء هذه القلوب وإشباعها بالنور الإيمانيّ لتتحرك في الوجهة السليمة؛ ولا نشكّ أَنَّ للأوضاع التي عاشها الشيخ اطْفِيَّشْ أثرا في صياغته هذا الرأي؛ وهذا سواء في بيئته الخاصّة أم بيئته العامّة.
ونتساءل: لماذا لم يثر هذا القول من الشيخ مناقشة وجدلا خاصّة بين الإِبَاضِيَّة؛ أو على الأقل في محيطه بوادي مزاب؟ وقد كانوا يتعقَّبون آراءه بالنقد والرفض الشديد أحيانا، وفي مسائل أقلّ شأنا من هذه؛ ولم نقف على قول معارض له؛ وفي نظرنا أَنَّ سبب هذا يعود إلى طريقة عرض الشيخ لرأيه؛ وَأَنَّهُ هو نفسه قد هوّن من هذا الخلاف؛ لأَنَّهُ ينتهي في الأخير إلى الاتِّفَاق مع الرأي المشهور في المذهب.
هذه هي المواقف المُتَعَلِّقة بتعريف الإيمان على اختلافها؛ وقد رأى البعض أَنَّ الخلاف بينها إِنَّمَا هو مجرّد خلاف لفظيّ(1)؛ وهذا مجرّد تهوين من شأن الخلاف؛ مع أَنَّهُ في حقيقته ليس لفظيّا فحسب؛ لَمَّا لهذا التعريف من الأثر البالغ على السلوك الفرديّ والاجتماعيّ؛ فسلوك المجتمع الإسلاميّ والفرد المسلم في الصدر الأَوَّل غيره بعد ذلك؛ وَإِنَّمَا ضعف المسلمون بقدر ضعف إيمانهم الحقيقيّ؛ وبعدهم عن التصوّر السليم
(1) الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين: المطبعة الحسينية مصر 1323 هـ: 175؛ التعاريتي المسلك المحمود: 10.