آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٣٣موقفا إزاءه، وقد عرفوا التفوُّق العسكريَّ للمستعمر، ورأوا ما يتركه من البلاء والأثر على العمران والعباد وذلك بعد مشاركتهم في ردِّ الحملة الفرنسيَّة على الجزائر سنة 1830 م(1)؛ وحملتهم هذه التجربة على أن يبرموا معاهدة حماية مع السلطة الاستعماريَّة لَمَّا وصلت إلى مدينة الأغواط ــ شمال ميزاب ــ سنة 1853 م، وكان هذا حلاًّ وسطا بين عدم قدرتهم على المقاومة وبين أن يتجنَّبوا ما ينتج عن التدخُّل الفرنسيِّ في شؤونهم الخَاصَّة(2)، وقد دَلَّت هذه المعاهدة من جانب آخر على انفلات زمام التحكُّم من أيدي العزَّابة والعلماء الذين لم يرتضوها: «فقد كانت الهيئات الدينيَّة غائبة عنه تحرُّجا من إمضاء معاهدة مع المشركين»(3)؛ ولم تدم حال الحماية طويلا، إذ نقضت فرنسا المعاهدة مبرِّرة ذلك بمساندة أهل ميزاب للثورات والثوار في أنحاء الجزائر، فأصبح ميزاب ملحقا بالأراضي المحتلَّة التابعة للإدارة العسكريَّة منذ سنة 1882 م(4)؛ ولم يعد لنظام العزَّابة من سلطة إِلاَّ في قضايا اجتماعيَّة محدودة خاصَّة لَمَّا أصبح القضاء بيد الفرنسيِّين.
أَمَّا من الناحية الاِجْتِمَاعِيَّة والفكريَّة، فإنَّ وادي ميزاب لم يخلُ من بعض الاضطرابات بين أهله وإسرافٍ في سفاسف الأمور، فبقي أهل العلم حَتَّى القرن التاسع عشر الميلاديِّ يعيشون على أنقاض ما خلَّفته عصور الانحطاط والتقليد والجمود، وقد وصف الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش هذه الحال قائلا: «وإنَّما أطنب في هذا المقام
(1) عثمان باشا: داي الجزائر، سيرته وحروبه، نظام الدولة والحياة العَامَّة في عهده، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1986 م، 138.
(2) إبراهيم طلاي: ميزاب بلد كفاح: 46 - 47.
(3) المرجع نفسه: 49.
(4) حمُّو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيِّين، دار الكروان، باريس، 1984 م: 1/ 307. محَمَّد ناصر: الشيخ القرادي حياته وآثاره، نشر جمعية النهضة، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية 1990 م: 230.