آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٣٧٤له»(1). ومثل هذا الحديث أحاديث أخرى في الموضوع، لكن التساؤلات لم تكن موغلة في الجدل، ولا كانت أجوبة الرسول e تترك شكّا بعدها، وكان المنهج تسليميّا تفويضيّا، ويعود طرح الأسئلة نفسها فيحدث الاختلاف ويظهر تباين المواقف بين جبر واختيار: الجبر بإخضاع الإنسان إلى إرادة مسبقة جعلته لا يحيد عنها وبالتالي لا حريّة له ولا اختيار؛ والاختيار والقول بخلق الإنسان لأفعاله؛ ثُمَّ تأتي أطراف للتوفيق بين القولين خاصّة عند الإِبَاضِيَّة والأشاعرة والماتوريديّة وأخيرا التسليم والتفويض رجوعا إلى الأصل، وهو ما كان مع المدرسة السَّلَفِيَّة.
ولا شَكَّ أَنَّ لوجود الشيخ اطْفِيَّشْ متأخّرا ــ في القرن الرابع عشر ــ معنى حيث جاء بعد ظهور كُلِّ هذه الآراء، واستقرّت المواقف وأعيدت الكتابة فيها، مِمَّا يمكّنه من دراستها واتِّخاذ موقف تجاه كُلِّ رأي، ثُمَّ يتّخذ لنفسه رأيا جديدا أو يساير أحد الآراء السابقة.
أ - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من الجبر
أراد الجبريّة إثبات اضطرار العبد في أفعاله، ونفي اختياره، معتمدين في ذلك على ما جاء من نصوص القرآن خاصّة تلك التي توحي بعدم قوّة المخلوق على تغيير شَيْء، وإثبات الخلق كلّه لله تعالى، فكان موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من هذا الرأي مركّزا على نفي هذا الجبر وإثبات الاختيار للعبد، وَاستَدَلَّ بما يثبت هذا الاختيار؛ ومن ذلك ما يلي:
- قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ ليِ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ اِلآَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ ليِ فَلاَ تَلُوُمونِي وَلُوُموا أَنفُسَكُمْ﴾ [ابراهيم: 22] Erreur ! Signet non défini.؛ فهذا إبليس لم ينسب الضلال إلى الله تعالى: بل نسبه إلى من فعله، ولو كان الفعل من الله تعالى بالإجبار لقال: فلا تلوموني ولا تلوموا أنفسكم بل الله أجبركم على الكفر، وَلَكِنَّهُ نسب
(1) الربيع: الجامع الصحيح: 207 رقم 792؛ ورواه: مسلم: القدر: باب كيفية الخلق الآدمي رقم 2648؛ المعجم المفهرس: 4/ 375.