آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٣٧٩ونلاحظ أَنَّ العلاقة بين علم الله تعالى وقضائه بأفعال العباد، وبين شعورهم بالاختيار، هي التي أشكلت في الموضوع، فلم يمكن التوصّل إلى فك غموضها، مِمَّا دَلَّ على عظمة الله تعالى واستئثاره بهذا الغيب، فكان كلٌّ يحاول النظر إلى أحد هذه الأطراف دون الوصول إلى الشرح الحقيقيِّ، وما رضيه الشيخ اطْفِيَّشْ من نظريّة “الجبل” يشبهه ما ذهب إليه الدكتور عمر الأشقر حين رضي بمعنى من معاني الجبر وقال: «وَأَمَّا إطلاق الجبر مرادا به أَنَّ الله جعل العباد مريدين لِمَا يشاء منهم مختارين له من غير إكراه، فهذا صحيح وقال بعض السلف في معنى الجبار: هو الذي جبر العباد على ما أراد»(1)؛ فهذا الرضى بمعنى من الجبل أو الرضى بمعنى من الجبر يدلاّن على أَنَّ من يرفض الجبر لا ينكره مطلقا بل يرضى بنسبة منه في الفعل الإنسانيّ.
فالجبر والجبل في رأي الشيخ اطْفِيَّشْ ينتهيان إلى سلب الاختيار من الإنسان، مع أَنَّهُ في الحقيقة يشعر به، وهو ما كان سببا في ردّه عليهما جميعا بآيات نسبة الفعل إلى العبد، وبالحديث، إِلاَّ أَنَّ ما اسْتَدَلَّ به من الحديث كان ضعيفا؛ وَأَمَّا في الاستدلال العقليّ فقد استند إلى وجود الأمر والنهي وصفة العدل المناقضة للظلم اللازم عن الجبر؛ ونرى أَنَّ الشيخ لم يحسم القول في الموضوع، لأَنَّهُ هو نفسه يرضى بنوع من الجبر غير الصريح في التسليم بعلم الله تعالى بما سيفعله العبد، لأَنَّهُ يتحرّك في ملك ربِّه وبإرادته، وهذا ما لا يمكن للمسلم أن يتجاهله، وكلّ ما في الأمر أَنَّ الشيخ ركّز على رفض اضطرار العبد وسلبه الإرادة التي تؤدّي إلى سلب التكليف والمسؤوليّة، وهذا جانب واحد من المسألة، وليس بجديد لأَنَّهُ هو الدافع الذي أدّى بغيره إلى هذا الرفض دون منع الجبر مطلقا.
(1) د. عمر سليمان الأشقر: القضاء والقدر: سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، رقم 06، مطبعة: أمزيان: الجزائر: 1990 م: 79.