آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠للقضية وبين النظريّات المذهبيّة، والاصطلاحات التي تعاقبت بعد ذلك؛ ومن الأسباب أيضا اتِّفَاق الجميع على نسبة الخلق إلى الله تعالى في كلّ شَيْء؛ فالبعض أبقى مصطلح “الخلق” بذاته، بينما خفّفه البعض الآخر إلى القول بعلم الله تعالى وَأَنَّهُ يستحيل أن يقع ما لم يكن يعلمه؛ فحتَّى القاضي عبد الجبار يثبت هذا العلم بالمخلوقات وبالمصير وبالاختيارات أيضا(1)، وهذه نسبة من الجبر قويّة عجزت كلّ الآراء والنظريّات عن إلغائها أو مجرّد التهوين منها ولو باستعمال ألفاظ مختلفة، لأَنَّهَا هي الأصل، فأدّى هذا إلى استعمال الدليل الواحد: أحيانا لإثبات الجبر وأخرى لإثبات الاختيار، أو استعمال الأَدِلَّة بين مذهبين للحصول على مذهب ثالث كما أشار إلى هذا الشيخ السالميّ(2)، حيث استعملت أَدِلَّة الجبريّة لنفي اختيار المعتزلة، وأَدِلَّة المعتزلة لنفي جبر الجبريّة في سبيل الحصول على توفيق يؤدّي إلى القول بالكسب، وحتّى السَّلَفِيَّة الذين رفضوا القول الأشعريّ(3) لم يسلموا من الغموض أيضا، فقال ابن تيمية عن الإنسان: «وَأَنَّهُ مختار، ولا يسمّونه مجبورا، إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لِمَا يفعله، فهو مختار، مريد، والله خالقه وخالق اختياره؛ وهذا ليس له نظير»(4). كذلك قال ابن أبي العز: «فالحاصل أَنَّ فعل العبد فعل له حقيقة؛ ولكن مخلوق لله تعالى
(1) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 09.
(2) السالميّ: مشارق: 2/ 188؛ وقد أشار جولد تسيهر إِلىَ هذا قاصدا به إظهار عجز الإسلام عن تفسير القضية مع أنّ الواضح هو عجز الإنسان لاتناقض القرآن كما قال، انظر: جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام: ترجمة محمد يوسف موسى وآخرون نشر دار الرائد العربي بيروت دت: 69، 79، 80.
(3) يقول ابن تيمية: «ثم أثبتوا كسبا لاحقيقة له: فإنّه لايعقل من حيث تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل، ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال هذا ويقولون: ثلاثة أشياء لاحقيقة لها: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعريّ» انظر: الرسائل الكبرى: 1/ 365.
(4) ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 1/ 278.