آمنت بالله أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

آمنت بالله لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٦

وهنالك طائفة أخرى وقفت في وجه هذا الاستيراد لهذه الفلسفة ودعت بسبب ردة الفعل التي حصلت عندها إلى أن يغمض الإنسان عينيه ويسد أذنيه ويكون أسير الألفاظ من غير أن يستهدي بالعقل في معرفة أبعادها وإدراك مقاصدها . فوقع هؤلاء في التفريط ووقع أولئك في الإفراط ، فالعقل كما قلنا طاقة ٌ محدودة كسائر الطاقات التي في البشر لا يمكن أن يُعول على هذه الطاقة في كل شئ لأن العقل كسائر الهبات التي وهبها الله سبحانه ، ولما كان الإنسان نفسه محدوداً كانت الهبات التي منحها الله تعالى له في هذه الحياة الدنيا هبات محدودة . وكما أنه لا يمكن أن ينفذ ببصره إلى ما وراء الحجب كذلك العقل لا يمكن أن ينفذ به الإنسانُ إلى ما وراء الحجب المعنوية التي تحول بينه وبين إدراك هذا العقل للكثير من الحقائق .

والذين اشتغلوا بالألفاظ أصبحوا في تناقض عجيب ، والإسلامُ دينٌ وسط لا إفراط فيه ولا تفريط ، فهو لا يدعو إلى أن يعطل الإنسان العقل ولا يدعو أيضاً إلى أن يكون هذا الإنسان أسيراً للألفاظ من غير أن يعرف مقاصد هذه الألفاظ . فأسارى الألفاظ وقعوا في أمر مريب فهم أخذوا بظواهر الألفاظ . ﴿ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ ، قالوا يأتي سبحانه وتعالى بذاته ويتنقل من مكان إلى مكان وكأنما سبحانه وتعالى جسمٌ محدود حل في مكان تُدركه الأبصار وتحدده الأفكار إلى غير ذلك . وكذلك عندما قرءوا قول الله تعالى ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ اثبتوا اليد التي هي الجارحة . وكل شئ من هذا القبيل اخذوا فيه بظاهره وعموا عن الحقيقة ، وقالوا إن تأويل الألفاظ القرآنية أو الأحاديث النبوية بما يتفق مع دلائل العقل وبما يربأ بهذه الألفاظ عن التناقض يُعد تعطيلاً عندهم ، واعتبروا أن الذين يسمونهم معطلة أكثر من المشركين والمشركون اخفُ في الكفران كما قالوا . وهذا أمرٌ غريب!!

١٦ / ٢٣