أسئلة وأجوبة في الحلقات الإيمانية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣المقلد، والأساس في الجمع بين العقيدة والقول والعمل سواء أكان ذلك عن اجتهاد أو تقليد»(1) .
وفي الدليل والبرهان بعد أن عرض الوارجلاني شيئًا من صفات الله بأدلة بسيطة قال: «فهذا الذي أردنا من تقرير الحق في أنفس المقلدين، وسنشرع الآن في إقامة البرهان للمعتقدين المقيدين إن شاء الله تعالى والله المستعان»(2) . فدخل في تفاصيل جدلية كلامية عميقة، قد لا يستوعبها غير المتخصصين. فنفهم من هذا أنَّ هناك قدرا من الإيمان بأدلة بسيطة يمكن أن يكتفي بها المقلد. ولكن لا شك أنه بقدر ما يزداد المقلد من الأدلة فهو أفضل وأقوى وأرسخ إيمانا. والله أعلم.
أما حرية الاعتقاد فلا أرى لها علاقة بموضوع إيمان المقلد. ولكن فيها شبهة لا بد من توضيحها وهي:
1- أنَّه ليس من حرية الاعتقاد أن لا يُظهر المسلمون الدين الحقَّ ولا يبينوه ولا يبلغوه، ﴿يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ﴾ (المائدة: 67)، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125)، ويجب أن لا يبقوا للشبه أثرا في نفوس أتباعهم، ولا في نفوس غير المسلمين. ولا يجوز إكراه الناس بالقوة على الإيمان، ﴿لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256)، ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: 56).
2- أنَّه ليس من حرية الاعتقاد أن يرتد أحد عن الدين، فَإِنَّه إذا ارتضى الإسلام دينا فلا يجوز له الخروج عنه، وإذا بدَّله أقيم عليه حد الارتداد، لقوله J: «من بدَّل دينه فاقتلوه»(3) .
«والحقيقة أنَّ هذا الحكم الشديد للمرتدِّ هو فرع عن حُرِّيَّة التديُّن والاعتقاد؛ لأَنَّ الإسلام لا يُكرِه أحدًا على اعتناقه والدخول فيه، إِلاَّ إذا حصل عنده القناعة التَّامَّة، والرضا الكامل، والإقرار بِأَنَّ الإسلام حقٌّ، فيعلن إسلامه، وينضوي تحت لوائه… ولا بُدَّ من موافقة العقل والتفكير على ذلك، فإن ارتدَّ بعد ذلك فهو إِمَّا أَنَّهُ دخل الإسلام نفاقاً ورياء، ولمصلحة خسيسة، وبقي الكفر في قلبه، فهذا يتلاعب بالعقيدة والمقدَّسات ونظام الأُمَّة، فيستحقُّ القتل لهذه الجريمة؛ وَإِمَّا أَنَّهُ خرج من الإسلام لوسوسة شياطين الإنس والجنِّ، وإغوائهم وإغرائهم، فهنا يُستتاب، وتكشف له الحقائق، ويناقَش في شبهاته، حَتَّى لا يبقى له حجَّة، وتُزال عنه الأوهام، فإن أصرَّ على الباطل فَإِنَّهُ يقتل لجريمة العبث بالمقدَّسات والعقائد والأديان، وخروجه عن النظام العامِّ، وخيانته للأمَّة التي ترعاه، والدولة التي تحميه، فَقَتْلُ المرتدِّ هو بحدِّ ذاته حماية لحقِّ التديُّن، حَتَّى لا يصبح هذا الحقُّ ألعوبة وسخريَّة، ومُهانًا ورخيصًا كسقط المتاع»(4) . وفي
(1) … البعد الحضاري، ص؟؟؟ (ضمن مسائل الإيمان).
(2) … الدليل والبرهان، 3/ص؟؟؟ (باب إيضاح الحق الذي اعتقدناه بالله سبحانه).
(3) … هذا الحديث أخرجه البخاري (3/1098رقم 2854) وأصحاب السنن وأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما (نيل الأوطار، 7/201؛ الفتح الكبير، 3/175)، مسند أحمد (1/2، 7، 282، 283، 5/231).
(4) … محمَّد الزحيلي: «مقاصد الشريعة .. أساس لحقوق الإنسان»، ص36-41 (النسخة الرقمية). مصطفى شريفي: مقاصد الشريعة الإسلاميَّة، مقرر كلية المنار، ص90.