أشراط الساعة.... النص والتاريخ لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ١٣٦والقضية تكمن في أن نظام الكون يسير وفق قوانين وسنن أوجدها الخالق تبارك وتعالى (سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً) الآيات_و_الأحاديث(الأحزاب: 62)، (وتجمع الأوساط العلمية اليوم على أن الطبيعة تتألف من مجموعة من الظواهر تتحدد وفق قوانين يمكن اكتشافها من خلال الملاحظة المنهجية المطردة، وينتاب دارسو العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والفلك والطب انطباع عميق بأن الوجود الطبيعي خاضع لنظام دقيق ومحكم، وأن معرفة ثوابت هذا النظام أو القوانين الطبيعية تعد الخطوة الأولى نحو توظيف الطبيعة لخدمة الحاجات البشرية والأغراض الإنسانية) (291)، في حين أن كثيراً من الحضارات السابقة التي سبقت الرسالة الخاتمة كانت تجنح إلى تقديم تصور سحري للطبيعة، (فلم تكن تلك الحضارات ترى في الكون نظاماً خاضعاً لإرادة كلية عامة متمثلة بقواعد كلية مطردة، بل ربطت الظواهر الطبيعية بإرادات خاصة متعددة، إرادات أرواح سماوية وآلهة خيرة وشريرة، لذلك لجأ الناس في الحضارات الفرعونية والآشورية والآرامية والكنعانية إلى الكهان والعرافين والسحرة لعلاج الأمراض وتفادي النكبات الطبيعية، بل إن الحضارة الإغريقية التي لاحظت ظاهرة النظام في الحركة الفكرية للعقل البشري وطورت علوم الهندسة والحساب والمنطق وغيرها من العلوم العقلية؛ لم تستطع التحرر كلياً من التصور السحري للطبيعة، فنرى العقل الإغريقي يفسر الظواهر الطبيعية والاجتماعية بردها إلى إرادات الآلهة المتنازعة، ونرى كبار الفلاسفة الإغريق مثل أفلاطون وأرسطو يعتقدون أن الكواكب والنجوم أرواح عاقلة مهيمنة على الوقائع الطبيعية والاجتماعية)(292).
و(لقد تمكنت الرسالة الخاتمة من نقل الإنسان من عالم الكهانة والشعوذة إلى عالم البحث العلمي والمعرفي؛ عندما خلصته من التصور السحري للطبيعة وزودته بتصور علمي لها) (293).