أشراط الساعة: النص والتاريخ خالد بن مبارك الوهيبي

أشراط الساعة.... النص والتاريخ لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الساعة، (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) وهذا الجواب منه صلى الله عليه وسلم هو تعبير عن مضمون الكتاب العزيز في رجع علم الساعة إليه تبارك وتعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(الأعراف: 187)، لكنه أراد أن يوظف الدلالات القرآنية في ربط التحولات والتغيرات الاجتماعية التي يمكن أن تحدث في أي مكان وزمان بأمر الساعة، حتى يركز في الأذهان أنه عند أي تحول وتبدل في الحياة فعلينا أن نتذكر أمر الساعة وأنها أقرب إلينا مما نتصور فنحسن العمل ولا نغتر بكل ما يحدث حولنا من تغيرات، ففي هذا الحديث يوظف النبي صلى الله عليه وسلم الدلالات القرآنية فيربط بين تطاول الرعاة الحفاة في البنيان وولادة الأمة ربتها وبين قيام الساعة، ونحن نعلم أن تطاول الرعاة في البنيان هو عبارة عن تحول اجتماعي حصل قبل عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فالقبائل الجرمانية التي أطاحت بالدول الرومانية الغربية (=روما) كانت قبائل من الرعاة وتحولت من بعد إلى مجتمعات مدنية متحضرة، وبعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعدة عقود من الزمن شيد العرب المسلمون – الذين خرجوا من جزيرة العرب وكان كثير منهم يمتهنون الرعي– المدن المتحضرة كالبصرة والكوفة والفسطاط والقيروان ثم بغداد وغرناطة وقرطبة وغيرها من الحواضر المدنية، وفي أيامنا هذه تحولت الجزيرة العربية ذات الطابع الرعوي البدوي في غالبيتها إلى مدن تضاهي لندن وباريس ونيويورك في بنيانها وعمارتها.

١٩٥ / ٣١٩