أشراط الساعة.... النص والتاريخ لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩• … ثم لماذا تُبقِي روايات فتح القسطنطينية الروم وعاصمتهم القسطنطينية خصماً تاريخياً للمسلمين إلى آخر الزمان؟ !.
هناك العديد من التساؤلات في متون هذه الروايات، والتي لا يمكن هضمها بسهولة إلا مع من أغلق عينيه عن درك الحقيقة الواضحة للعيان، والمشكلة في نظري تكمن في المنهج، إذ إن الروايات الأخبارية تشكل في كتب الحديث قسماً لا يستهان به من أبوابها وفصولها، وخاصة أبواب الفضائل والمناقب والفتن والملاحم وأحاديث العقائد وبعض أحاديث الأحكام.
وهذه الروايات لم يتناولها أحد بالبحث – إلا فيما ندر– للتأكد من خلوها من أية أغراض سياسية أو مذهبية، وذلك أنها وإن وردت في كتب الحديث فإن ذلك لا يلغي إطلاقاً البعد الزمني الكامن فيها، وكان من الواجب أن تتناول الدراسات الحديثية هذه الظاهرة بالعناية والاهتمام، لكن يبدو أن الضغط الهائل الذي كانت تمارسه السلطة على العقول والنفوس معاً قد حجب أبعاد الرؤية الشمولية لهذه الظاهرة.
وقد حاول ابن خلدون المؤرخ الشهير التفريق بين روايات الأحكام والروايات الأخبارية في مقدمته الشهيرة فقال: (إن أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها، إنما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وذلك أن الأخبار والواقعات لا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة) (458)، أما التكاليف الإنشائية (= الأحكام) فهو يرى ( أن الشارع أوجب العمل بها متى حصل الظن بصدقها، وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط، إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منها) (459).
(