أشراط الساعة.... النص والتاريخ لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٩٢وليس ذلك ببدع من الأمر، فحتى بعض علماء المحدثين كان يبني آراءه الفقهية على ذلك، فمالك بن أنس إمام المذهب المالكي يقول (في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ قال: لا أعرف ذلك في الفريضة) (227) فكان يكرهه، فقوله (لا أعرفه) أي لم يكن عليه العمل المستقر المنقول جيلاً بعد جيل، وقد ذكر لليث بن سعد حديث سعيد بن المسيب عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أَهلَّ عليه منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي" (228) فقال الليث (قد رُوِي هذا والناس على غير هذا) (229)، فالليث لم ير في الرواية أية إلزامية له لأن (الناس على غير هذا)، أي أن العمل لم يكن عليه، بل إن مالك بن أنس كان يقول عن حديث أم سلمة في أن من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره "ليس من حديثي"، فقد (ذكر عمران بن أنس أنه سأل مالكاً عن حديث أم سلمة هذا فقال: ليس من حديثي. قال: فقلت لجلسائه: قد رواه عنه شعبة وحدث به عنه وهو يقول ليس من حديثي!، فقالوا لي: إنه إذا لم يأخذ بالحديث قال فيه: ليس من حديثي) (230)، وهذا على اعتبار أن الرواية وإن وصلت إليه فإنها وفق معطيات أخرى أقوى منها تم تجاوزها وتركها.
وهذا بالضبط ما يمثل نوعاً من المفارقة الجوهرية بين طرق المحدثين في التعامل مع الرواية وطرق المدرسة الجابرية، فالنظرية التي تقوم عليها مدرسة أهل الحديث في عمومها تنادي بأنه (لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد) (231)، و(إذا صح الحديث فهو مذهبي) (232)، في حين أن عموم الاستقراء للنصوص عند فقهاء المدرسة الجابرية يؤكد على أنهم كانوا يتحفظون بشدة على الروايات المتأخرة الظهور والتي لم يقم عليها عمل.