محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

ثالثا - الإيمان باليوم الآخر

تمهيد:

لقد مَرَّ سابقا أَنَّهُ من غير المعقول أَن تبدأ قِصَّة الكون وحياة الإِنسَان كمسرحيَّة ذات فصل واحد، تبدأ من غلاف الولادة، وتنتهي بغلاف الموت، فَهَذَا من قبيل العبث الذي هو أجلى المحالات في حقِّ الله، قَالَ تَعَالىَ: ﴿أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالىَ اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: 115 ـ 116)؛ فَلاَ بُدَّ من يوم يحاسب فيه الإِنسَان، وينال كُلٌّ جزاءه، إن خيرا وخير وإن شَرًّا فشرٌّ.

والإيمان باليوم الآخر من} الغيبيَّات}، أو} السمعيَّات} التي يعدُّ الإيمان الصحيح بها من أعظم ما يقوِّم سلوك الإنسان (إن لم يكن أعظمها على الإطلاق)؛ لذلك يركز عليه الله تعالى، ورسوله الكريم تركيزا شديدا، ومتكررا. كيف لا والقضية متعلقة بالمصير المحتوم، والذي لا مفر لأحد منه، إما خلود أبدي في جنات النعيم، أو خلود أبدي في عذاب الجحيم، والعياذ بالله.

**************************

المبحث الأول

الموت وما يَتَعلَّقُ به

- ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾:

الموت هو مفارقة الروح(1) للجسد(2)، وهو بوابة الانتقال من الدار الفانية إِلىَ الدار الباقية. وهو أمر لا يمكن أن ينكره عاقل. وَإِنَّمَا عَلَى المسلم أن يعتقد: أَنَّ كُلَّ شَيْء فانٍ، وَأَنَّ كُلَّ حيٍّ لا شَكَّ سيموت، قَالَ تَعَالىَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185)(3)، وَأَنَّهُ لا مفرَّ منه مهما أوتي المرء من قُوَّة: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: 78)، وقال تَعَالىَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (القصص: 88)، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 26 - 27)، «والفناء شامل للموت ومطلق العدم بعد الوجود … فجميع الأشياء فانية حَتَّى عجم الذنب … وما ورد في الحديث:} كُلُّ ابن آدم يفنى إِلاَّ عجم الذنب فمنه يركَّب}(4) قال القطب رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ: الاستثناء منقطع، أي: لَكِنَّ عجم الذنب منه يركَّب بعد إعادته، وقال في معنى الحديث: إِنَّهُ سُبحَانَهُ يعيد الأعيان الفانية ويركِّبها عَلَيْهِ لحكمة، لا لتعذُّر الإعادة إِلاَّ بِذَلِكَ»(5).

(1) من العجيب أَنَّ بعض العلماء خاضوا في ماهية الروح، وتناقشوا فيها بالمنظور المادي المحسوس، فوقعوا في إشكالات كثيرة كان من الممكن تفاديها لو أَنَّهُم اكتفوا بتفويض الأمر فيها إِلىَ الله تَعَالىَ، كما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء: 85). والأمور التي يمكن بحثها: إِمَّا محسوسة فيمكن فيها استخدام المنهج التجريبي، وَإِمَّا غير محسوسة لا يمكن الخوض فيها بغير دَلِيل نقلي صحيح وصريح؛ والروح ليست من هَذَا ولا ذاك. لِذَلِكَ قال الشيخ السالمي:

«والقول بالإمساك في الروح أحقّ … وما سوى التخمين للذي نطق.

أي الكف عن الخوض في الروح وعن تعاطي بيان ماهيتها أحقُّ … وإذا عرفت أَنَّهُ لا دَلِيل للخائضين سوى التخمين ظهر لك أَنَّ الوقوف عن الخوض فيها واجب، وهو مذهب الجنيد. لِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36)». السالمي: مشارق، ص263 - 265.

(2) انظر تعريفات أخرى للموت: الثميني: النور (شرح نونية أبي نصر)، ص365. السالمي: مشارق، ص262.

(3) وهناك آيتان أخريان في نفس المعنى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35)، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت: 57).

(4) رواه الإمام الربيع بن حبيب بلفظ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأَرْضُ إِلاَّ عَجْبَ (عَجْمَ) الذَّنَبِ، فَإِنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ». باب الآداب، حديث رقم 722. ورواه أَيضًا البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة.

(5) السالمي: مشارق، ص261. وانظر: اطفيَّش: الذهب الخالص، ص12؛ وفاء الضمانة، 1/ 52. نقلا عن وينتن، ص168.

١٠٧ / ١٥٥