أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٠٧واعتقاد الفناء التامِّ للدنيا، أمر واجب شرعا، واعتقاد عدم الفناء يعتبر تسويةً للخلق مع الله في بقائه، فالخلق كان عدما محضا، ثُمَّ يصير عدمًا عند النفخة الأولى، ليبعث من جديد عند النفخة الثانية(1)، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68).
ومن المخلوقات ما يفنى إِلىَ الانقلاب، وهم الأحياء العقلاء، ومنها ما يفنى إِلىَ الانقلاب ثُمَّ التلاشي، وهي الحيوانات، بدليل قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ثُمَّ إِلىَ رَبِّهِم يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: 38)، ومنها ما يفنى إِلىَ التلاشي، وهي الجمادات والنباتات(2).
- ملك الموت(3):
إِنَّ أمر الحياة والموت بيد الله وقضائه وقدره، وَلَكِنَّهُ قد وكَّل ملكا بقبض الأرواح، قال تَعَالىَ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السجدة: 11)، وقد جعل الله لهذا الملك رُسُلا (خدما أو جنودا وأعوانا) لنفس الْمَهَمَّة، قَالَ تَعَالىَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: 61). والمشهور أَنَّ اسم ملك الموت: عزرائيل، ومعناه: عبد الجَبَّار(4).
- موت المؤمن وموت الكافر(5):
أشار القرآن إِلىَ أَنَّ ملك الموت رفيق بالمؤمن، بحيث يهوِّن عَلَيْهِ سكرات الموت، قَالَ تَعَالىَ: ﴿الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32)، وَأَمَّا أرواح الكُفَّار فَإِنَّهَا تنتزع نزعا، وتضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وتراهم يعانون من سكرة إِلىَ سكرة، وهم في أَشَدِّ حسرة عَلَى ما فرَّطوا في جنب الله، قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (الأنفال: 50)، ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (سورة محَمَّد: 28). ويعلق البوطي بِأَنَّ هَذَا الفرق «ليس قانونا دائما»(6).
- الموت والأجل:
مِمَّا يجب الإيمان به أَنَّ الموت لا يكون إِلاَّ في الأجل الذي حدَّده الله في الأزل، ولا يملك أيُّ مخلوق تقديم الأجل أو تأخيره، قال تَعَالىَ: ﴿وَلَنْ يُّؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا اِذَا جَآءَ اَجَلُهَا﴾ (المنافقون: 11)، وقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (النحل: 61).
وَلَكِن مع وضوح القضية فَإِنَّ علماء الكلام خاضوا في مسألة المقتول، هل مات في أجله، أم في غير أجله؟ ذهب الإِبَاضِيَّة وجمهور الأَشْعَريَّة إِلىَ أَنَّهُ مَيِّت بأجله، «وذهبت المعتزلة إِلىَ أَنَّ المقتول مَيِّت في غير أجله، وقبل انقضاء عمره، وَأَنَّهُ لو لم يقتل لعاش إِلىَ الوقت الذي حدِّد له، وَهُوَ مذهب فاسد»(7).
وَمِمَّا ناقشوه أَيضًا: مسألة زيادة عمر الإِنسَان بِبَعْض أعمال البر، كصلة الرحم، وَلَكِن الواقع لا إشكال في مثل هَذِهِ القضية إذا تيقَّنَّا أَنَّ الله تَعَالىَ قد قدَّر كُلَّ شَيْء، وَأَنَّ أجل المرء لا يمكن أن يَتَقَدَّمَ أو يتأخَّر، كما ثبت في النَّصِّ القطعي الآنف الذكر، فيستحيل أن يَتَغَيَّر ما في علم الله، لأَنَّهُ لا تبدو له البدوات.
(1) وينتن: آراء، ص167 - 169.
(2) انظر: الجيطالي: قواعد، 1/ 54 - 56. السالمي: مشارق، ص261.
(3) البوطي: ص307 - 308. الجعبيري وكسكاس: العقيدة (2)، ص123 - 124. بتصرف.
(4) ينظر: الثميني: النور، ص365. البوطي: ص308.
(5) الثميني: النور، ص365 - 366. الجعبيري وكسكاس: العقيدة (2)، ص124. بتصرف.
(6) البوطي: ص308.
(7) السالمي: بهجة، 112 - 113. وانظر التفصيل والرد عَلَى المعتزلة في مشارق، ص266 - 267.