أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٢٨أ- من النقل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49). وقال ﴿قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة: 51).
وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ».(1). وفي جواب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لجبريل - عليه السلام - لسؤاله عن الإيمان قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.»(2).
ب- من العقل: يتفرَّع الإيمان بالقضاء والقدر عن الإيمان بعلم الله الشامل، وقدرته الكاملة، وإرادته المطلقة؛ فلا يحصل في الوجود شَيْء إِلاَّ وَالله تَعَالىَ يعلمه ويريده، ويستحيل حصول شَيْء لم يرده الله.
خامسا - اختلاف المسلمين في مسألة القضاء والقدر:
للأمة الإِسلاَمِيَّة إزاء هَذِهِ القَضِيَّة ثلاثة مذاهب:
1 - المعتزلة:
وسُمُّوا أَيضًا بالقدرية، رئيسهم: واصل بن عطاء، قالوا: إِنَّ للعبد الحُرِّيَّة التَّامَّة في اختياره، وهو الفاعل للخير والشرِّ، وقدرته صالحة لخلق فعله وإيجاده.
من أدلتهم العَقلِيَّة:
أ. إِنَّ الله تَعَالىَ عدل لا يظلم ولا يجور، فلا يَصِحُّ أن يخلق الخير والشرَّ للعبد ويجبره عَلَيْهمَا، ثُمَّ يحاسبه عَلَى فعلهما. والتكليف والمحاسبة يقتضيان أن يكون العبد مخيرا لا مسيرا ولا مجبورا.
ب. إِنَّ أفعال العبد لا تخلو من أحد الاحتمالات الثلاثة: إِمَّا أن تنسب إِلىَ الله تَعَالىَ وحده، وَإِمَّا أن تنسب إِلَيْهِ وَإِلىَ العبد معا، وَإِمَّا أن تنسب إِلىَ العبد فقط. فَالأَوَّلُ باطل لأَنَّهُ يستلزم أن يكون الإِنسَان مجبورا عَلَى فعله، وبالتالي يُنسب الظلم إِلىَ الله. والثاني باطل أَيضًا لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله، وَهُوَ منزه عن الشريك. فثبت الاحتمال الثالث.
ج. وأجيبوا عن الاستلزامين الأَوَّل والثاني بأَنَّ لفعل العبد جهتين: جهة إيجاد، وهي لله، وجهة اكتساب وهي للعبد، ولا يستلزم مشاركة الله في أفعاله.
من أدلتهم النَّقليَّة:
أ. استدلُّوا لجواز نسبة الخلق إِلىَ الإِنسَان، بقَوله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ﴾ (المائدة: 110)، وأجيبوا بِأَنَّ الخلق في الآيَة مجاز لا حقيقة، فالخلق والإيجاد الحقيقيُّ (من العدم إلى الوجود) خاصٌّ بِاللهِ، قَالَ تَعَالىَ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾؟ (فاطر: 3).
ب.
(1) رواه الربيع بن حبيب، باب [12] في القدر والحذر والتطيّر، حديث رقم 72.
(2) نصُّ الحديث كالآتي: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ J ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ J فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: فَمَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ. قَالَ: فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ أَصْحَابَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ J بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ». مُتَّفَق عَلَيْهِ، واللفظ للترمذي، كِتَاب الإيمان عن رَسُول اللهِ J ، باب وصف جبريل للنَّبِيء J الإيمان والإسلام، رقم 2610.