محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

الطريق الثاني: الإقرار، وهو أن يقرَّ العاصي بمعصيته، لا لكونه نادما عَلَى تفريطه، سائلا عَمَّا يلزمه في فعله.

الطريق الثالث: شهادة عدلين فما فوق.

الطريق الرابع: الشهرة المحقَّة، لا كشهرة بَعض الشيعة بالبراءة من أبي بكر وعمر رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

6 - الوقوف:

الوقوف اصطلاحا: هو الإمساك عَمَّن لا تعرف حاله من صلاح أو فساد، لعدم ثبوت الأَدِلَّة اليقينية، فلا تتولاه ولا تتبرأ منه.

والدليل عَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36)، وَقَوله: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)(1).

7 - الآثار السلبية بسبب ترك الولاية والبراءة:

إِنَّ التخلِّي عن هذين المبدأيْن سبَّب آثارا سلبيَّة في المجتمعات الإِسلاَمِيَّة، حكَّامًا ومحكومين، ومنها ما يأتي:

1 - التخلي عن الأخوَّة والتناصر في الله، قَالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10)، وقال الرَّسُول y : « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(2).

2 - فنتج عن هَذَا ما نراه من فتنة وفساد كبير، واستدمار وتسلُّط للمشركين، كما قَالَ تَعَالىَ: ﴿وَالذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ اِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73)(3).

3 - مناصرة الكُفَّار ضِدَّ المسلمين، وطاعتهم في معصية الخالق، وهذا من شيم المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا الذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 138 ـ 139).

4 - التقليد الأعمى للكفرة والفجرة في المظاهر والسلوك الغريبة عن الإِسلاَم، وقد أمر النَّبِيُّ y بمخالفتهم إذ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»(4).

5 - محبَّة الفسَّاق والفجَّار ومتابعة أخبارهم وإنتاجهم، عبر مختلف وسائل الإعلام، وتعليق صورهم … قال رَسُول اللهِ y : « الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»(5).

6 - مجالسة الفجَّار وتكثير جموعهم، وَهَذَا من خصال النفاق أَيضًا، قَالَ تَعَالىَ: {وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنِ اِذَا سَمِعْتُمُ ءَايَاتِ

7 -

(1) اشتهرت عَلَى الألسنة هَذِهِ المقولة عَلَى أَنَّهَا لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، بينما هي للسري: «الأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتَّبعه، وأمر بان لك غيُّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنه وكله إلى الله تعالى، وليكن الله دليلك، واجعل فقرك إليه تستغن به عمَّن سواه» (). أورده البيهقيُّ في الزهد الكبير، رقم 928، ج2/ص341.

كما اشتهر استدلالهم بالأثر: «المؤمن وقَّاف والمنافق وثَّاب»، وَلَكِن لم أعثر عَلَيْهِ في الألفية ولا الكتب التسعة.

(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد. واللفظ للبخاري، كِتَاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يُسلِمه، رقم 2310.

(3) الآيات والأحاديث في وجوب نصرة المسلمين لبعضهم بَعْضًا كثيرة، منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ». البخاري: كِتَاب الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه إِنَّهُ أخوه … رقم 6552.

(4) وفي بَقِيَّة هَذِهِ الرواية: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ». البخاري: كِتَاب اللباس، باب تقليم الأظفار، رقم 5553.

(5) مُتَّفَق عَلَيْهِ، رواه البخاري في كِتَاب الأدب، باب علامة حبِّ الله عَزَّ وَجَلَّ، رقم 5816.

١٣٥ / ١٥٥