أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٦6 - التوازن:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، ومظاهر التوازن في العقيدة الإسلامية كثيرة، منها:
- التوازن بين الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة. خلافا لما عند الماديين قديما وحديثا، المنكرين لما وراء المادة (الميتافيزيقا).
- التوازن في مصادر المعرفة: بين العقل والنقل، أي بين الوحي وبين النظر العقلي.
- التوازن بين الإيمان بمشيئة الله المطلقة وبين ثبات السنن الكونية، أي بين التوكُّل على الله، وبين اتخاذ الأسباب.
- التوازن بين سموِّ الروح وسلامة الجسد. أي بين تزكية النفس، كما قال تعالى: ﴿قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9)، وبين أداء الحقوق الواجبة، كما في الحديث: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»(1).
- التوازن بين العمل للآخرة والعمل للدنيا، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص: 77).
**********************************
رابعا - نشأة علم الكلام وتطوُّره(2):
أ- عهد الصحابة:
كان الصحابة رضوان الله عَلَيْهِم موجِّهين اهتمامهم إِلىَ الأحكام العَمَلِيَّة، وَإِلىَ معرفة أصول دينهم، فلم يَرِد عنهم أَنَّهُم كانوا يسألون النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عن المسائل الفرعيَّة لعلم الكلام، كصفات الله هل هي عين ذاته أم غيره، أو عن خلق القُرْآن … إذ لم يظهر بعدُ في عصرهم ما يبرِّر النقاش حول مثل هَذِهِ القضايا. وَهَذَا لا ينفي ورود بَعض التساؤلات البسيطة كالتي تَتَعَلَّقُ بالقضاء والقدر(3)، والتي قد تخطر ببال أيِّ واحد، ولو لم يكن له تأثُّر بظرف أو ثقافة ما.
وَلَكِنَّ هَذَا العصر لم يدم طويلا، فما إن مات الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم حَتَّى طرأت ظروف وعوامل دَاخِلِيَّة وَخَارِجِيَّة، كانت سببا في نشأة علم الكلام، نلخِّصها في ما يلي:
ب- العوامل الدَّاخِلِيَّة لنشأة علم الكلام:
1 - الآيات المتشابهات(4): في القُرْآن الكريم ﴿ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل عمران: 7)، فكان
(1) هذا من كلام سلمان االفارسي لأبي الدرداء، وقد أقرَّه النبيُّ *. رواه البخاري في كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، رقم 5788.
وفي حديث آخر: كان عبد الله بن عمرو بن العاص يبالغ في عبادته، فبلغ خبرُه الرَّسُولَ *، فقال له: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قَالَ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ»، (رواه البخاري في كِتَاب الجمعة، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، حديث 1102).
وقوله: «هَجَمَتْ عَيْنُكَ»: أي غارت ودخلت في موضعها. «وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ»: تعبت وكلَّت.
(2) انظر: أحمد أمين: ضحى الإِسلاَم، المكتبة الْعَصْرِيَّة، صيدا، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1427هـ/2006م، 3/ 7 - 20. مغنية: معالم الفلسفة الإِسلاَمِيَّة، ص 21 - 25. الدسوقي: منهج البحث، 334 - 342.
(3) انظر مثلا في هَذَا موضوع ما أورده الوارجلاني ضمن مسند الربيع بن حبيب، ج3، ما جاء في الحجَّة على القدريَّة، حديث رقم: 796، ص207. قال جابر: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَمَّنْ قَالَ: إِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَيَكُفَّ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ فِعْلَهُ. فَقَالَ: سَأَلَ سُرَاقَةُ بْنُ جشعمَ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فَقَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَمْرٍ مُبْتَدَإٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَمْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «بَلْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ»، ثُمَّ قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذَنْ يَارَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». وينظر: البخاري: كِتَاب تفسير القرآن/ سورة الضحى، الأحاديث 4661 - 4666، 4/ 1890 - 1891. مسلم: كتاب القدر: باب كَيفِيَّة خلق الآدمي، رقم 2648، 4/ 2040، بلفظ مقارب.
(4) انظر: ابن خلدون: الْمُقَدِّمَة، 463 - 464. وما ذكرناه عن الآيات المتشابهات يصلح للأحاديث النبوية أيضا؛ غير أن كثيرا منها ليست موضع اتفاق على صحتها بين الفرق الإسلامية، وإنما ركزنا على القرآن الكريم لأن الكلَّ مُجمِع على الإيمان به، والإيقان بصحة نصوصه جملة وتفصيلا، ويُفترض أن لا يختلفوا بشأنه.