محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٧

الاختلاف بين المسلمين في فهم بَعض تلك الآيات المتشابهات، كالألفاظ الموهمة تشبيه الله تعالى بخلقه (إما بالجوارح، أو الحلول في مكان، أو المشابهة في بعض الأفعال … )، والتي تبدو لبادي الرأي أنها مناقضة لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11). وكالآيات المتعلقة بفعل الله وفعل الإِنسَان، ومشيئة الله ومشيئة الإِنسَان … فحاول بعض العلماء التوفيق بينها بالتأويل، بينما سكت آخرون(1).

2 - آيات جدال غير المسلمين: يحثُّ الله تعالى في كتابه على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). واستخدم القرآن مختلف أساليب الاستدلالات الفطرية والعقلية، وهو حافل بالردود على المشركين، والدهريين، ومنكري البعث، واليهود، ومؤلِّهي عيسى عليه السلام، والمنافقين … وقد استثمر علماء المسلمين تلك الأساليب وصاغوا أقيسة واستدلالات على نحوها للرد على كل فكر منحرف يصادم الدين عبر سائر العصور(2).

3 - الخلافات السِّيَاسِيَّة: بعد موت الرسول ثارت مسألة الخلافة، وهي من المسائل التي تناولها الْمُتَكَلِّمون بالنقاش، كما كان لمقتل عثمان رَضِيَ اللهُ عَنهُ وقَضِيَّة التحكيم أثر في ظهور الصراعات الفِكرِيَّة حول مسائل سِيَاسِيَّة وكلاميَّة، منها: من هو أحقُّ بالخلافة؟ وما موقف الرعيَّة من الحاكم؟ ما حكم مرتكب الكبيرة؟ هل الإِنسَان مسيَّر أم مخيَّر؟ … وكانت كلُّ فرقة من فرق المسلمين تحاول إثبات معتقدها بالآيات القُرْآنيَّة، والأحاديث النَّبَوِيَّة، والحجج العَقلِيَّة.

ج- العوامل الخَارِجِيَّة لنشأة علم الكلام:

1 - الفتوحات الإِسلاَمِيَّة: كان للفتوحات الإِسلاَمِيَّة دور في نشأة علم الكلام، إذ دخل في الإسلام أقوام لهم ثقافات وفلسفات مختلفة، وكان عَلَى المسلمين أن يثبتوا صِحَّة الدين الإِسلاَمِيِّ بإيراد الحجج ودفع الشبه التي يثيرها المسلمون الجدد، عن حسن نية أَو سوئها.

2 - الترجمة: كان للترجمة من الثقافات القديمة ـ اليونانيَّة منها بِخَاصَّةٍ ـ الأثر البالغ في نشأة علم الكلام، وقد ابتدأت مع الفتوحات الإِسلاَمِيَّة للبلدان غير العَرَبِيَّة، من النصف الثاني من القرن الأَوَّل، «وازداد هَذَا بمرور الأَيَّام، وبلغ الذروة في عصري الرشيد (ت: 193هـ) والمأمون (ت: 218هـ)»(3). وبدا تأثُّر علماء الكلام واضحا في بَعض نظريَّاتهم وَبَعض مصطلحاتهم بالفلسفة اليونانيَّة.

3 - القوى المضادَّة: تمثَّل هَذَا في محاولة مَن تظاهر بالدخول في الإسلام النَّيْلَ منه، والكيد له، ونخره من الداخل، بنشر الشبه والأفكار الوثنية الفارسية واليهودية والمسيحية، ومقاومة هَذَا الدين بالعلم بعد أن عجزوا عن مقاومته بِالقُوَّةِ والعدَّة. وقد ظهر هَذَا بِخَاصَّةٍ في عهد الدولة العَبَّاسِيَّة؛ وأصبح من الضروريِّ أن يتصدَّى العلماء المسلمون لِهَذِهِ التيَّارات، ويدافعوا عن عقائد الإسلام، فكان للمعتزلة دور كبير في هَذَا المجال.

(1) ينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 15 - 17. اعتمد المعتزلة والإباضية والأشاعرة والماتريدية منهج التأويل. بينما اكتفى عامة أهل الحديث والسلفية بالسكوت والتفويض، غالبا.

(2) ينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 7 - 8. البوطي: المذاهب التوحيدية، ص36 - 37.

(3) الدسوقي: منهج البحث، ص338.

١٨ / ١٥٥