محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي مصطفى بن محمد شريفي

أصول الدين لطلاب التخصص الشرعي للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣١

العلة والحد والشرط لا تختلف غائبا وشاهدا(1). وقصدهم بالغائب هو الله سبحانه وتعالى لأنه غائب عن إدراكنا، والمقصود بالشاهد هذه المخلوقات التي نشاهدها.

وهو قياس فاسد عند الإباضية لسببين:

أحدهما: أن القياس ظنيٌّ، ولا يؤخذ بالظنيات لإثبات القضايا الأساسية للعقيدة. قال الثميني: «لأن قياس الغائب على الشاهد، بل القياس مطلقا لا بد فيه من إثبات علة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وهذا الإثبات بطريق اليقين مشكل جدا، لجواز كون خصوصية الفرع، وهو المقيس، مانعة من وجوده فيه، وعلى التقديرين [وهما إثبات العلة باليقين، وجواز خصوصية الفرع المانعة] لا تثبت بينهما علة مشتركة، فلا يصح القياس»(2).

ثانيهما: مهما كانت درجة الاستدلال فإن قياس الخالق بالمخلوق لا يصح مطلقا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (سورة الشورى: 11).

القاعدة السادسة: التأويل ضرورة لغوية وعقدية:

التأويل(3) لغة: مِن آل يؤول: إذا رجع. واصطلاحا: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى الباطن بدليل(4)، أو هو: «صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه لقرينة اقتضت ذَلِكَ الصرف»(5).

وقد استخدم العرب المجاز كثيرا في كلامهم وأشعارهم، ولم يخرج القرآن الكريم ولا السنة النبوية عن أساليبهم المعهودة. وعليه فإن في القرآن والسنة ألفاظا لا يمكن حملها على ظاهرها، لا سيما ما يتعلق منها بما يوهم تشبيه الله تعالى بمخلوقاته. لذلك لا مناص من تأويلها (صرفها عن ظاهرها)، عدة مبررات، لأن عدم التأويل:

- يستلزم التشبيه، وَالله تَعَالىَ يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11).

- يُؤَدِّي إِلىَ التناقض بين آيات القرآن، وهو محال، فالله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82).

- يوقع في أمور لا يقبلها العقل، كما إذا فَسَّرنَا العين في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ﴾ (طه: 39) بالعين المبصرة، أي: أَنَّ موسى صُنع فوقها، وهو محال أَيضًا!.

القاعدة السابعة: «لازم المذهب ليس بمذهب»(6):

هَذِهِ قاعدة جليلة لو أن كُلَّ العلماء من مختلف الفرق الإِسلاَمِيَّة أخذوا بها، فَإِنَّ كثيرا من البغضاء وكثيرا من أحكام التكفير والتضليل تخفُّ؛ لأن أغلب الانتقادات عَلَى المخالف إِنَّمَا هي إلزامات رُتِّبت عليها أسماء وأحكام زادت الأُمَّة تشتيتا وتمزيقا …

(1) اعتمدوا على قياس الغائب على الشاهد رغم اعترافهم بأن مقتضى الصفات غائبا يختلف عن مقتضاها شاهدا كما هو الحال بالنسبة للقدرة والإرادة مثلا.

(2) ينظر: الثميني: المعالم، (مخ) ص: 114. نقلا عن عمر آل حكيم: الإمام عبد العزيز الثميني وكتابه معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين، ص275 - 276. السالمي: مشارق، 176. الجعبيري: البعد الحضاري، 1/ص .... أحمد الخليلي: صفات الله. جمعية التراث: معجم المصطلحات، 2/ 893 - 894.

(3) للتفصيل في مباحث الحقيقة والمجاز والتأويل والتصريح والكناية، ينظر: السالمي: طلعة الشمس، 1/ 169 - 183، 193 - 218، 252 - 254.

(4) السالمي: بهجة، ص105.

(5) ينظر: السالمي: طلعة، 1/ 169.

(6) السالمي: معارج، 1/ 190.

٣٢ / ١٥٥