إعمال العقل.... المنهج والتطبيق لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٣1. فالعقل المفطور يتحدد بالقدرة على توليد تصورات كلية بسيطة تتحصل من خلال تجريد المدركات الحسية، ترتبط فيما بينها لتشكل أحكاماً أو قواعد منطقية، مثل: أن الكل أكبر من الجزء والواحد أقل من الاثنين، وهذا القسم يمثل القاسم المشترك بين الناس.
2. أما العقل المكتسب فهو متحصل من الخبرة الإنسانية، ومن نتاج تطبيق العقل الفطري على موضوع ما.
فيظهر أنه لا يمكن أن يقوم هنالك تعارض بين العقل الفطري وبين أحكام الوحي، لأن العقل الفطري ذو طبيعة إجرائية لا يملك الطعن في الأحكام المفردة التي تتضمنها أية منظومة، فمثلاً لا يملك العقل الفطري الطعن في أن الإنسان خُلق من طين أو أنه يبعث يوم القيامة ويحاسب على عمله، لكنه يملك بحث الاتساق الداخلي بينهما، فإذا ظهر الاتساق الداخلي لمنظومة الأحكام القرآنية امتنع على العقل الفطري الاعتراض أو التشكيك فيها قال الله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾.
ولكن هل يمكن قيام تعارض بين العقل المكتسب من الخبرة الإنسانية وبين أحكام الوحي؟، ومرد هذا التساؤل هو آحادية النظر التي سادت قسماً لا يستهان به من المناهج الفقهية، إذ تتصور هذه المناهج أن الأحكام يمكن تحصيلها من خلال التعامل مع نصوص مفردة مجتزئة عن أصولها الكلية وقواعدها التشريعية، فمن هنا أخذوا يفرضون هذا الافتراض.
في حين أن كثيراً من الأحكام هي أحكام ثاوية في النصوص لا يمكن تحصيلها إلا من خلال إعمال العقل والنظر في استخراجها، ومجالات العقل المكتسب تنحصر في ثلاثة قطاعات:
(1) الوجود الكلي المغيب المتعالي عن الوجود الحسي، كالحكم بأن النفوس تبعث وتحاسب يوم القيامة والإيمان بالملائكة والجنة والنار.
(2) الوجود الإنساني الاجتماعي، كالحكم بأن الصدق حسن والكذب قبيح.
(3) الوجود الطبيعي المشاهد، كالحكم بأن الأشياء تسقط بفعل الجاذبية وأن كثافة الزئبق أعلى من كثافة الماء[1].