إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ١ · صفحة ١٢٧يا أهل المدينة ما لي رأيت رسم الدين فيكم عافيًا، وآثاره دارسة، لا تقبلون عِضته، ولا تفقهون من أهله حجَّة، قد بليت فيكم جدَّته، وانطمست عنكم سنَّته، ترون معروفه منكرًا، والمنكر من غيره معروفًا، إذا انكشفت لكم العبر، وأوضحت لكم النذر عميت عنها أبصاركم، وصمَّت عنها آذانكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة، تبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحقِّ إذا ذكر، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلَّما وردت عليها موعظة زادتها عن الحقِّ نفورًا، تحملون قلوبًا في صدوركم كالحجارة، أو أشدُّ قسوة من الحجارة(1) ، فهي تلين بكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدِّعًا من خشية الله(2) .
يا أهل المدينة، لا تغني عنكم صحَّة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم، قد جعل الله لكلِّ شيء سببًا غالبًا له، ينقاد إليه، مطيع أمره، فجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعًا، وإنَّ القلوب لا تلين لأهلها إِلاَّ بصحَّتها، ولا يصحِّحها إِلاَّ المعرفة بالله، وقوَّة النية، ونفاذ البصيرة؛ ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم، لاستعملت في طاعة الله أبدانكم.
(1) - … إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿ثمَّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوة…﴾(سورة البقرة: 74).
(2) - … إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدِّعاً من خشية الله…﴾ (سورة الحشر: 21).