إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

اعلم أنَّ تكليفه عزَّ وجلَّ إيانا بعد قيام الحجَّة فضلا منه تعالى، تفضَّل به علينا، ولو شاء أن يكلِّفنا بغير حجَّة ولا برهان كان ذلك عدلا منه، كما كان التكليف بعد قيام الحجَّة فضلا منه، خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاحيَّة والأصلحيَّة على الله تعالى، ومرادهم بالصلاحيَّة ما قابل الفساد، كالإيمان في مقابلة الكفر فيقولون: إذا كان هناك أمران أحدهما صلاح والآخر فساد وجب على الله أن يفعل الصلاح منهما دون الفساد، ومرادهم بوجوب الأصلحيَّة وجوب الأصلح والمراد به: ما قابل الصلاح، ككونه في أعلى الجنان في مقابلة كونه في أسفلها، فيقولون: إذا كان هناك أمران أحدهما صلاح، والآخر أصلح منه وجب على الله أن يفعل الأصلح منهما دون الصلاح، واحتجُّوا على إثبات ذلك بظواهر الآيات الدالَّة على الوجوب كما في قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الارض إِلاَّ على الله رزقها﴾(1) ، ﴿وكان حقًّا علينا نصرُ المومنين﴾(2) ، إلى غير ذلك، قلنا: ليس المراد من ظاهر الآيات الوجوب الذي ذكرتموه، وإنَّما المراد به ثبوت ذلك في حكمته تعالى كثبوت الواجب، بيان ذلك أنَّه سبحانه وتعالى قد ضمَّن الخلق رزقهم وضمانته سبحانه وتعالى لا تصحُّ أن تختلف لصدق وعده، واستحالة الاختلاف عليه، فكان ذلك واجبا في حقِّه تعالى، أي ثابتا في حكمته لا يجوز اختلافه، وليس الوجوب في جميع ذلك المعنى إلزام الله لعباده تلك الحقوق، تعالى الله عمَّا يقول المبطلون علوًّا كبيرا، هذا هو المراد من تلك الآيات، وأمَّا بطلان مذهبهم من أصله، فظاهر ولنا على إبطاله وجهان أحدهما: أنَّه لو كان مراعاة الصلاح والأصلح واجبا على الله تعالى لما كلّف الكافر الإيمان، وقد علم سبحانه وتعالى أنَّه لا يؤمن فمن صلاحه أنَّه لا يكلِّفه، لأنَّ تكليفه إِنَّمَا يؤول إلى تركه الإيمان، وتركه الإيمان يوجب تعذيبه بالنار، والعياذ بالله تعالى.

(1) - سورة هود: 6.

(2) - سورة الروم: 47.

٢٣٣ / ٩٠٨