إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣والنوع الثاني من المستحيل مستحيل لغيره: كإيمان من علِم الله أنَّه لا يؤمن، وكذلك من أخبر عنه ربنا بأنَّه لا يؤمن، فإيمان ذلك المخبر عنه، والذي علم الله أنَّه لا يؤمن ممكن في نفسه، لكنَّه محال لعلم الله عدمه، وإخباره بعدم وقوعه، فهو مستحيل لغيره، والتكليف بهذا النوع جائز واقع إجماعا، لأنَّ علم الله تعالى وإخباره عن الشيء لا ينافي إمكان ذلك الشيء في نفسه في التكليف به من حيث إمكان ذواته ولا جبر، وأيضا فإنَّ العلم يتعلَّق بالمعلوم على ما هو عليه فإن(1) ممكنا علمه ممكنا، وإن كان واجبا علمه واجبا، ولا شكَّ أنَّ الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثرا خفي المعلوم، ولو كان كذلك للزم انتفاء قدرة الله تعالى لأنَّ الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع، والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه، فوجب ألاَّ يكون العبد قادرا على شيء أصلا، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات والحركات الاضطراريَّة للحيوانات، وإنَّما نعلم فساد ذلك ضرورة، فإنَّه لو رمى إنسانا بحصاة حتَّى شبحه، فإنَّا نذُّم الرامي ولا نذُّم الحصاة، ونذكر بالبديهية الفرق بينما(2) إذا سقطت الحصاة عليه، وبين ما إذا رمى بها إنسانا بالاختيار؛ وأيضا فلو كان العلم بالعدم مانعا للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمرا بإعدام عمله، وكما أنَّه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم بأن يعدموا عمله، لأنَّ إعدام ذات الله وصفاته غير ممكن ولا معقول، والأمر به سفه وعبث، فدلَّ على أنَّ العلم بالعدم لا يكون مانعا من الوجود.