إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ٢ · صفحة ٢٠

وعن ابن عمر أيضًا عن عمر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الميِّت يعذَّب في قبره بما ينحُّ عليه». فهذا من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وقد اختلف الناس في ذلك، فأنكره قوم وتأوَّله آخرون، فمن أنكره: ابن عباس وعائشة، فقال ابن عباس لمَّا روي له هذا الخبر: ذهل ابن عمر، إِنَّمَا مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبر يهوديٍّ فقال: «إنَّ أهله ليبكون عليه وإنَّه ليعذَّب». وقالت عائشة: ذهل أبو عبد الرحمن كما ذهل في خبر قليب بدر، إِنَّمَا قال عليه السلام: «إنَّهم ليبكون عليه، وإنَّه ليعذَّب بجرمه». قالوا: وموضع غلطه في خبر القليب أنَّه روي أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقف على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا؟ قال: إنَّهم يسمعون ما أقول لهم، فأنكرت عائشة ذلك، قالت: إِنَّمَا قال: إنَّهم يعلمون أنَّ الذي أقوله لهم هو الحقُّ، واستشهدت بقوله تعالى: ﴿إنَّك لا تسمع الموتى﴾(1) .

وفي مسند الربيع: قالت عائشة رضي الله عنها: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنَّه لم يكذِب ولكنَّه نسي وأخطأ، ولعلَّه إِنَّمَا سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال حين مرَّ بيهوديَّة ماتت وأهلها يبكون، فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنَّما لتعذَّب في قبرها» قال جابر: قالت عائشة: ولا يعذَّب أحد ببكاء أهله وإنَّما يعذَّب بعمله السوء.

وفي صحيح البخاري: لمَّا أصيب عمر، دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه! فقال عمر رضي الله عنه: أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ الميِّت ليعذَّب ببعض بكاء أهله عليه»(2) ،

(1) - … سورة النمل:80.

(2) - … وانظر نصَّ الحديث في الجامع الصحيح، باب [20] في القبور، حديث رقم 483

… في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، حديث رقم1206: «حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُبَيْدِاللَّهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا: قَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْئًا»

٥٢٠ / ٩٠٨