إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ٢ · صفحة ٢١قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: فلمَّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه»، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزرُ وازرة وزر أخرى﴾(1) ، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى». قال ابن مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئًا. قال القسطلاني: لكن قال الزبير بن المنير: سكوته لا يدلُّ على الإذعان، فلعلَّه كره المجادلة. وقال القرطبيُّ: ليس سكوته لشكٍّ طرأ له بعدما صرَّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل ولم يتعيَّن له محلٌّ يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المجاراة، ولم تتعيَّن الحاجة حينئذ. وقال الخطَّابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظنِّ، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتها لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا ولا منافاة بينهما، ثُمَّ جمع بينهما بالتأويل الآتي عن الجمهور.
وأمَّا المتأوِّلون فقد اختلفوا في تأويلها على مذاهب:
- أحدها: قول الجمهور، وهو أنَّ المعذَّب بذلك من أوصى بأن يُبكى عليه ويناح بعد موته، فنفِّذت وصيَّته، لأَنَّهُ كان بسببه وهو منسوب إليه، قالوا: فَأَمَّا من بكي عليه أهله وناحوا من غيره وصيَّة فلا يعذَّب لقوله تعالى: ﴿ولا تزِرُ وازرةٌ وِزرَ أخرى﴾. قالوا: وكان من عادة العرب الوصيَّة بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد قال:
إذا متُّ فانعيني بما أنا … أهله … وشقِّي على الجيب يا ابنة … معبد
(1) - … سورة فاطر:18.