إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ٢ · صفحة ٢٣

- وثالثها: أنَّ معنى الحديث أنَّهم كانوا ينوحون على الميِّت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذَّب بها، كما كانوا يقولون: يا مرمِّل النسوان، ومؤتِّم الولدان، ومخرِّب العمران، ومفرِّق الأخدان ونحو ذلك مِمَّا يرونه شجاعة وفخرًا، وهو حرام شرعًا. قلت: إنَّ هذا االتأويل أحسن من التأويلين المتقدّمين. فإن قيل: إنَّ صهيبًا لم يقل في بكائه مثل هذه الألفاظ، بل إِنَّمَا قال: واعمراه، واصحباه، فمَا وجهُ جعلِ هذا حسنًا؟ قلنا: إنَّه يمكن بأنَّ عمر لمَّا سمع منه اللفظين خشي أن ينجرَّ الأمر إلى أن يقول بتعديد ما هو قبيح في الشرع، فابتدره بالمنع قبل الانتهاء إلى المحذور، انتهى.

- رابعها: أنَّ المعنى أنَّه يعذَّب بسماعه بكاء أهله ويرقُّ لهم، واستدلُّوا عليه بحديث فيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال: «إنَّ أحدكم إذا بكى استعبر صويحبه، فيا عباد الله لا تعذّبوا إخوانكم».

- وخامسها: إنَّ المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله، كما في حديث أبي موسى: «الميِّت يعذَّب ببكاء الحيِّ، إذا قالت النائحة: وا عضداه! وا ناصراه! وا كاسياه! جيذ [كذا] الميِّت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟»، قلت: وهذا التأويل يؤيِّد القول بأنَّ القبر من توابع الدنيا، لأَنَّهُ لو كان من الآخرة لما وبَّخته الملائكة، لأنَّ هناك يقال لهم: ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾(1) ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾(2) . انتهى.

- وسادسها: قول عائشة رضي الله عنها: إنَّ معنى أنَّ الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب يعذَّب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم. وأجمعوا كلُّهم على اختلاف مذاهبهم على أنَّ المراد بالبكاء هنا بصوت ونياحه لا مجرَّد دمع العين. والله أعلم.

///

المقام الثاني

في إنكار عذاب القبر

(1) - … سورة الزمر:73.

(2) - … سورة الأنبياء:103.

٥٢٣ / ٩٠٨