إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ٢ · صفحة ٢٩

أقول: اِعلم أنَّ نفي الموت غير الموتة الأولى وقع في الجنَّة عن أهلها، فلا يفهم منه نفي الحياة عن أهل الكبائر المصرِّين عليها حتَّى ماتوا عليها، ففي الآية إخبار عن السعداء فقط وعن أحوالهم؛ ويبحث فيه إذ قلنا: إنَّه لا بدَّ من أن تردَّ أرواح السعداء إليهم في قبورهم للسؤال والاختبار، وأنَّهُم يشاهدون مقاعدهم من الجنَّة ومنازلهم من النار إن لو ماتوا على المعصية، فالأشقياء كذلك فهم مشتركون في إعادة الأرواح إلى أجسامها وإن اختلفت أحوالهم؛ قلنا: إنَّ تلك الحياة التي في البرزخ أخروية كحياة الشهداء، فلا نصل إلى حقيقتها إلاَّ بتوقيف من الشارع - صلى الله عليه وسلم - ، وعلينا الإيمان بذلك والقطع به؛ ويحتمل أن تكون تلك الحياة ليست بحياة كاملة كحياتنا هذه، وإنَّما هي حياة يدرك بها السعيد النعيم، والشقيُّ العذاب، ويضرب لنا مثل(1) بحياة النائم لأنَّه منقطع عن الحسِّ غائب عن الدنيا بأسرها، فقد يرى في نومه أشياء مفرحة كمثل دخوله في بستان ودار ومباشرته الأزواج وما تقرُّ به عينه فيكون في نومه ذلك فرحا مسرورا، وقد يرى ضدَّه كأنَّه يلقى في نار ويضرب بالسياط، وأنَّه مقهور ولا قدرة له على الدفع، فيكون في نومه ذلك معذَّبًا، فإذا انتبه من نومه زالت عنه تلك الأشياء، ولا شكَّ أنَّ هؤلاء أحياء، وليست حياتهم بكاملة، وأنَّهُم أموات من جهة؛ ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وهو الذي توفَّاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثُمَّ يبعثكم فيه ليقضى أجلٌ مسمًّى…﴾ إلى آخر الآية(2) ؛ وقوله: ﴿الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتِها والتي لم تَمُتْ في منامِها فيمسِك التي قضَى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمًّى﴾(3) ،

(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مثلاً».

(2) - … سورة الأنعام: 60.

(3) - … سورة الزمر: 42..

٥٢٩ / ٩٠٨