إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ٢ · صفحة ٦٦

فأسلكوا دار ضيِّقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم ومستقرُّهم الجحيم، الزبانية تقمعهم والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم فيها فكاك، قد شدَّت أقدامهم إلى النواصي، واسودَّت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها، ويصيحون من نواحيها وأطرافها: يا مالك قد حقَّ علينا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منَّا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنَّا لا نعود! فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان، ولا خروج لكم من دار الهوان، فاخسأوا فيها ولا تكلِّمون، ولو أُخرِجتُم منها لَكُنتُم إلىَ ما نُهِيتم عَنه تَعُودُون؛ فعند ذلك يقنطون، وعلى ما فرَّطوا في جنب الله يتأسَّفون، ولا ينجيهم الندم ولايغنيهم الأسف، بل يبكون على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمالهم، فهم غرقى في النار، طعامهم نار، وشرابهم نار، ولبسهم نار، ومهادهم نار، فيهم بين مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وضرب المقامع، وثقل السلاسل، فهم يتجلجلون في مضايقها، ويتحطَّمون في دركاتها، ويضطربون بين غواشيها، تغلي بهم النار كغلي القدور، ويهتفون بالويل والعويل، ومهما دعوا بالثبور صبَّ ﴿من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد﴾(1) تهشَّم بها جباههم، فينفجر الصديد من أفواههم، وتنقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، وتسقط من الوجنات لحومها، ويتمعَّط من الأطراف شعورها، بل جلودها ﴿كلَّما نَضِجت جلودُهم بدَّلناهم جُلودًا غيرَها﴾(2)

(1) - … سورة الحج: 19-21.

(2) - … سورة النساء: 56..

٥٦٦ / ٩٠٨