إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ٢ · صفحة ١٥١

واستنساخه ديوان الإمام جابر بن زيد رحمه الله

من مكتبة الخليفة ببغداد

فلمَّا قرأ نفاث هذا الكتاب، وفهم إشارات الإمام فيه، وأدرك منتهى ما ترمي إليه آخر عبارته منه وهي قوله: «وإنِّي غير كاتب إليك كتابًا بعد هذا» علم أنَّ دور الكتابة واللين قد انتهى وانسدَّ بابه، ولم يبق إِلاَّ دور الشدَّة والعنف الذي فهمه قبل ذلك من قول الإمام إيه[كذا]، فانتهز الفرصة وجمع ما عنده من المال نقدًا تحته وكان غنيًّا ثريًا، وهرب طالبًا للنجاة بنفسه إلى أن تجاوز حدَّ نفوذ الإمام وهو أرض “سِرت”.

وظلَّ سائرًا نحو الشرق حتَّى أتى مدينة بغداد، وهي إذ ذاك مقرّ خلافة بني العبَّاس بالمشرق. وأقام فيها ما شاء الله أن يقيمه، متردِّدا على صديق له بغداديٍّ في السوق، يتأنَّس إليه ويمضي جلَّ أوقات فراغه عنده، إلى أن طرأت على السلطان مسألة علميَّة أشكل الأمر عليه فيها، وعجز علماؤه عن حلِّها، فأمر أن ينادى في الأسواق بأنَّ كلَّ من أجاب عنها بجواب مقنع، له ما يسأله من السلطان، وبينما نفَّاث عند صاحبه إذ سمع ذلك النداء فقال لصاحبه: إنِّي سأذهب إلى السلطان وأسأله بيان مسألته لأجيبه عنها، فقال له: ألزم نفسك فإنَّ الحال ليس بسهل، وكأنِّي بك وقد عجزت عن أداء ما تحمّلت به فأمر بقطع رأسك، وليس هذا بميدان يجول فيه كلُّ أحد، فأصرَّ نفَّاث على كلامه.

ولمَّا مرَّ المنادي أمام الدكَّان قال له صاحبه: إنَّ هذا المغربيَّ ذكر أنَّه يقدر على جواب السلطان. فلم يك إِلاَّ كلمح البصر حتَّى اختطفه الشرطيُّ وذهب به إلى أن مثل بين يدي السلطان، فقرَّبه إليه وأدناه وآنسه، وسأله عن أحواله ونسبه ومسقط رأسه، فأجابه عن كلِّ ذلك بأوجز بيان.

٦٥١ / ٩٠٨