إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ٢ · صفحة ١٥٢

ثُمَّ رأى أن يمهِّد لنفسه عذرًا حتَّى يكون مطمئنًّا آمنًا من الهلاك إن هفا هفوة في كلامه، عالمًا بِأَنَّ آفة الإنسان اللسان، فقال له: اِعلم أنِّي رجل بربريُّ اللغة والطبع، مغربيُّ المشرب، لم اتخلَّق بالآداب الشرقيَّة حتَّى أقوم بما يجب عليَّ من حسن القول أمام مقامك العالي، فأطلب الإذن في التكلُّم بما يخطر ببالي مع العفو عمَّا يصدر منِّي من الخطإ المغاير لسنن الأدب.

وبعد أن تلفَّظ له بالإذن كما طلب سأله عن مسألته فأجابه في الحال بجواب كاف شاف أقنعه كلَّ إقناع، ولإعجاب الخليفة به صار يكرِّر له السؤال عن معضلات المسائل وهو يجيب، وكان المجلس حافلاً بالعلماء والفقهاء والأدباء والأمراء وأولي الوجاهة من أكابر بغداد، إذ كانت للمسألة شهرة عظيمة، ولها من قبل ذلك في الدوائر والمجالس ذكر شائع.

وطفق أولئك العلماء يسألونه سؤالاً بعد سؤال وهو يجيبهم، إلى أن أعياهم الأمر وملُّوا الجلوس، ولحق الخليفة من العجب ما أبهر عقله، وحيَّر فكره؛ فنظر إليه وهو على هيأته المغربيَّة فيما يظهر من قرائن الأحوال، وقال معرِّضًا به: «نعم العسل في ظرف سوء»، ففطن لها نفَّاث، وقال في الحال معرِّضًا بديوان جابر المتقدِّم ذكره، وهو موجود بخزانة مكتبة الخليفة: «نعم الرجل في قبره سوء»، ففطن الخليفة أيضًا لمراده واشتدَّ به الحنق وكاد يأمر بالفتك به لولاَ ما صدر منه من الإذن في التكلُّم والعفو عن الخطإ.

٦٥٢ / ٩٠٨