إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
الجزء ١ · صفحة ٨٣وذلك أنَّ خمسة أنفار متفرِّقي البلاد والديار، وهم أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري من اليمن، وعبد الرحمن بن رستم الفارسي، وإسماعيل بن درار من غدامس(1) ، وأبو داود القبلي من نفزاوة، وعاصم السدراتي. وهؤلاء الخمسة دعاهم داعي الفلاح والفتوح، فأجابوه إلى طلب العلم الممدوح، وسار كلُّ واحد منهم إلى ما هو إليه مشتاق، وفارق الأهل والأوطان والرفاق، وقطعوا الفيافي إلى أرض العراق، وقصدوا أبا عبيدة مسلمًا بن أبي كريمة بمدينة البصرة، التي كان قدومهم إليها سببا للتأييد والنصرة، فجمعهم عنده سابق القضاء والقدر، ومكثوا يتعلَّمون العلوم حينًا من الدهر.
فلمَّا قضوا منها وطرهم وبغيتهم، وأخذوا مِمَّا راموه غرضهم وأمنيتهم؛ وأرادوا التوجُّه إلى بلادهم وأوطانهم، والانضمام إلى طارفهم وتلادهم، استشاروا أبا عبيدة - رضي الله عنه - في عقد إمامة الظهور لواحد منهم ليحكم بينهم بالسنَّة والكتاب، وما عليه السلف الصالح من الأصحاب، وذلك إذا بلغوا أوطانهم، وآنسوا قوَّة في أنفسهم، وأنعم لهم بذلك وأجاب، وقال: «إن كان ولا بدَّ فعليكم بهذا ــ وأشار إلى أبي الخطَّاب ــ فإن أبى فاقتلوه إن توفَّرت الأسباب».
وروي أنَّهم حين عزموا على التوجُّه للسفر، خرج أبو عبيدة لتشييعهم ووداعهم طلبًا للأجر، ونفيًا للأَنفة والكبر. ولمَّا وضع رِجلا واحدة في الركاب اندفع إسماعيل بن درار يسأله عن مشكلات المسائل ويطلب الجواب؛ فما لوى رِجله الثانية إلى الركاب الآخر حتَّى سأله عن ثلاثمائة مسألة من الأحكام، فقال له الشيخ معجبًا باستحضاره: «أردتَ أن تكون يا ابن درار قاضيًا للإسلام؟»، فقال له: «وما الذي تراه إن ابتلاني الله بذلك أيُّها الإمام؟».
وصولهم إلى طرابلس
(1) - … في الهامش: «قوله: من غدامس، مدينة مشهورة إلى الآن في جنوب طرابلس، وأهلها الآن مالكيَّة، وفيها دفن هذا الإمام رحمه الله وضريحه مشهور هناك يزار».