إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٢

ثمَّ عقد المسلمون الإمامة بعده للوليِّ الصالح أبي حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي، وذلك في رجب عام 154 أربعة وخمسين ومائة، فتولَّى أعمال طرابلس وقابس والقيروان وما يليها، وكانت له حروب ومقاتلات كثيرة، يطول شرحها أنهاها المؤرِّخون إلى ما فوق ثلاثمائة وخمسين مقاتلة، منها (وقعة مغمداس) في شرق طرابلس على مسافة ثمانية أيَّام منها، لاقى فيه أبو حاتم عسكر المسودة، فهزمهم وقتل منهم ستَّة عشر ألفًا، وهذه الوقعة يعدُّونها ثأرًا لوقعة أبي الخطاب التي مات فيها، ولذلك ذكروا أنَّ رجلاً من الجند ناقش رجلاً من أصحابنا وقال له مفتخرًا عليه: «ما تفسير تورغا»؟ يشير إلى قتلهم الإمام أبا الخطَّاب ومن معه فأجابه صاحبنا بأنَّ «تفسيرها مغمداس فيها أربعة أكداس في كلِّ كدس أربعة آلاف» يشير إلى الوقعة المذكورة فسكت الجنديُّ وبهت، وكان صاحبنا حاذقًا نبيهًا إذ بادر بهذا الجواب القاطع المسكت للخصم.

ومكث أبو حاتم في الخلافة ما شاء الله، ثمَّ قتل شهيدًا رحمة الله عليه ودفن هو ومن معه من الشهداء بموضع يقال له: “جنبي” قرب جبل “ككله” وقبره هناك مشهور يزار إِلىَ يومنا هذا. (وشهد) العرب المجاورون له النور على قبره مراراً، وما ارتفع إِلاَّ بعد أن دفن في حريمه أعرابيٌّ مات بالقرب منه.

(وذكر) المؤرِّخون أنَّه اجتمع لأبي حاتم من الجموع ما لم يجمع لأحد من أهل مذهبه قبله، إذ بلغ عسكره ثلثمائة ألف وثلاثين أو خمسين ألفًا. ولمَّا مات رحمه الله انتقلت الإمامة إلى أرض المغرب بمدينة تاهرت التي بناها عبد الرحمن بن رستم الفارسي ومن معه، حين خرجوا من القيروان بعد موت أبي الخطاب، وقد رأيت في بعض كتب غيرنا أنَّ عبد الرحمن بناها قبل مدينة فاس بخمسين سنة.

إمامة عبد الرحمن رضي الله عنه

٨٣٢ / ٩٠٨