إيضاح التوحيد بنور التوحيد سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي

إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي

الجزء ١ · صفحة ٩١

ولمَّا مات تولىَّ ابنه يوسف، فدانت له الأمور، ولم ينقم عليه أحد من رعيَّته في شيء، ومكث في الخلافة أربعة عشر عامًا، وبه انتهت إمامة الفرس بتيهرت، وكانت مدَّتهم في الخلافة من الإمام عبد الرحمن إلى الإمام يوسف المذكور مائة وخمسين سنة وزيادة.

وقد بلغت هذه الأيمَّة بتيهرت من العلم والأدب والفضل والعدل المقام السامي. قال البعض منهم: «معاذ الله أن تكون عندنا أمَة لا تعرف القمرَ في أيِّ منزلة هو في كلِّ ليلة».

وذكر أنَّ الإمام عبد الوهَّاب وردت عليه خزانة من الكتب من المشرق، فشمَّر لمطالعتها، ولمَّا فرغ منها قال: «الحمد لله الذي أغناني عن الاستفادة، إذ كلُّ الذي فيها عندي، إِلاَّ ثلاث مسائل، ولو سئلت عنها لأجبت فيها قياسًا كما هي في الكتب».

وروي أنَّ ابنه أفلح قعد عليه سبع حِلق يتعلَّمون عنه فنون العلم قبل أن يبلغ الحلم؛ وقعد ذات يوم مع أخته يتذاكران في أوَّل ما يذبح في السوق في غد يومهما، فنظر أفلح فقال: «أوَّل ما يذبح: بقرة صفراء في بطنها عجل أغرُّ»، فنظرت أخته فقالت: «الأمر كذلك، إِلاَّ أنَّ البياض ليس في جبهته، وإنَّما هو بياض في رأس ذنبه، وانقلب إلى جبهته»، فكان الأمر كما قالت.

وذكر عنه أنَّه لم يُعدُّ خطبة قطُّ، بل كلَّما جاءت جمعة أتى لها بخطبة جديدة، وكذلك الأعياد.

وبالجملة فقد بلغوا في سائر العلوم مقامًا لا يوصف، ولهم بعلم الحساب والتنجيم علم عظيم. ولقد صدق عليهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لو تعلَّق الدين بالثريَّا لنالته رجال من الفرس»(1) .

(1) - … روي الحديث بألفاظ مختلفة منها، ما روى الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين، رقم 9677، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «قَالَ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ».

… ومنها روايات ليس فيها لفظ: "فارس" وإنَّما ذكر أبناء سلمان الفارسي، ومنها رواية جاء فيها: … حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيْلِيُّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ فَتَلَاهَا فَلَمَّا بَلَغَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، قَالَ: وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فِينَا قَالَ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو الْغَيْثِ اسْمُهُ سَالِمٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ مَدَنِيٌّ.

٩١ / ٩٠٨