الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ لزكريا المحرمي
الجزء ١ · صفحة ١١الكلمة الإسلامية المقابلة وهي "الشورى"، ولعل الأدب الإسلامي السياسي الحديث هو الذي روج الكلمة وأضفى عليها قيمتها ومضامينها ذات الشأن بعد أن كانت كتب الفقه القديمة لا تعنى بها كثيراً ولا تقيم لها هذه القيمة الجليلة، لأن الممارسة السياسية الشورية لم تكن واسعة ولا ذات خطر في التاريخ الإسلامي"([11]).
وهذا التأكيد المفعم بكثير من الأسى والحسرة على غياب الممارسة الشورية في تاريخ الأمة يتبعه الدكتور الترابي بالقول "وكاد التاريخ الإسلامي يخلو من الإجراءات الشورية المطلقة في تعيين الولاة. وما كان من الشورى لم يكن عن حرية ورضى وضبط كما يقتضي الدين. لكن سنة الاختيار الشوري المرضي قد عرفت أحياناً، ولا سيما في مناطق الخوارج([12])، فقد ظل الإمام لدى الإباضية من باطن عمان يختار بنحو قريب من الطريقة الشورية التي يقتضيها الإسلام، فحين يموت إمام كانت جماهير من يمثلون الجماعة يأتمرون من أجل هذا الشأن، وتخرج منهم طائفة من العلماء والقادة، يمرون على أعيان المؤهلين للخلافة ويستطلعون مواقفهم ثم يزكون من يرونه أقربهم زكاة وقوة، ويعرضون أمره على الجماهير المؤتمرة فإذا أمضوه عقدت له البيعة بشرطها المأخوذة. أما السنة الأغلب في الممارسة السياسية الإسلامية، فالذي يغلب عليها هو ولاية العهد وميراث الخلافة أو استلاب الأمر بالانقلاب أو التمكن في ناحية إقليمية"([13]).
ويقول الدكتور حسين عبيد غباش: "وفي السياق التاريخي الإسلامي نجد أن تطبيق مبدأي الاجماع والتعاقد قد عُلق واقعاً … في حين طبق العمانيون هذين المبدأين على مستوى الإمامة وعلى مستوى الدولة والمجتمع، بل وفي كل الأمور، وذلك منذ القرن الثاني الهجري، (القرن الثامن الميلادي). بعبارة أخرى، امتدت هذه التجربة العمانية، مع بعض الانقطاع، اثني عشر قرناً. وإذا سلمنا بأن التطبيق الكامل لمبدأي الشورى والانتخاب الحرّ لزعيم الأمة –أي الإجماع والتعاقد- هما جوهر الديمقراطية، فإن الإمامة الإباضية العمانية يمكن أن تعد أطول تجربة ديمقراطية في تاريخ الإنسانية"([14]).