الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ زكريا بن خليفة المحرمي

الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ لزكريا المحرمي

الجزء ١ · صفحة ٣٤

الإسلام لم يدع إلى ترك الدنيا بالكلية والتقشف الساذج، بل أوجب على المسلمين أن يأخذوا نصيبهم من زينة هذه الحياة، حيث يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾القصص: 77، ويقول عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾الأعراف: 31، وكان النبي صلى الله عليه و سلم يلبس ما يهدى إليه من ملابس جديدة من الشام وغيرها([42])، ورأى النبي صلى الله عليه و سلم رجلاً عليه بردان خلقان فقال: "ألا له ثوبان غير هذين"، فقال له جابر بن عبدالله: يا رسول الله له ثوبان في العيبة، كسوتها إياهما، قال: "فادعه، فمره يلبسهما". يقول الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت 150هـ) معلقاً على هذه الحادثة: "وهذا ترغيب وتحريض من النبي صلى الله عليه و سلم للمسلمين في التزين باللباس الحسن"([43])، وقد قال ابن بركة: "في هذا القول من النبي صلى الله عليه و سلم ما يدل على ضعف مذهب القائلين: إن الدنيا بمنزلة الميتة لا يحل منها إلا ما يحل للمضطر لاختلاط الحلال منها بالحرام، فلا يطلب منها إلا ما يسد به الفاقة"([44])، وقال أيضاً: "يدل على ضعف مذهب من ادّعى التقشف والتزهد في الدنيا، وزعم أنه لا ينبغي للمسلم أن يحبس قوت يومه إلى غد"([45]).

والشق الثاني من التصوف يقوم على وهم مفاده أن كثرة العبادة وذكر الله هو الوسيلة لادراك علوم الدين والدنيا!، فلهذا يسمى شيخ المتصوفة بـ "العارف"، وعالمهم بـ "إمام العارفين"، والمذهب الإباضي لم يقبل مثل هذه الأفكار التي تنشر الجهل والتخلف، وتقتل روح العمل والجد والاجتهاد والمثابرة التي أمر بها الإسلام.

ومع ذلك فقد تأثر بعض الإباضية بفكر التصوف لكن دون إغراق في الزهد الساذج ولا تفريط في مبدأ السعي والعمل وطلب العلم من مظانه.

٣٤ / ٦٤