الإنسان بين الحقيقة والأوهام (ج1) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإنسان بين الحقيقة و الأوهام ج1 لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٤

ونجد أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كما قلنا كان بنفسه حريصاً على الأخذ بالأسباب ومن ذلك أنه عندما مر من وراء جدار مائل أسرع الممر فقال له أصحابه : أتفر من قضاء(1) الله يا رسول الله ، فقال : [ نعم أفر من قضاء الله إلى قدره ] ، إن كل شيء مقضي ، مقضي عند الله ولكن الله تبارك وتعالى جعل للأشياء أسباباً فهو يفر إلى القدر الذي هو نتيجة القضاء وهو وقوع ما قضاه الله تبارك وتعالى في الأزل على من أراد أن يقع ذلك الأمر في ما لا يزال فلإن كان وقوع الجدار عليه أمراً مقضيا في الأزل فإن ذلك القدر لا بد من أن يتحقق في ما لا يزال إن كان غير مقضياً في الأزل فإن ذلك القدر أيضاً وهو عدم وقوع الجدار عليه أمر لا بد من أن يقع فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يفر إلى ما قدر الله تبارك وتعالى وقوعه وهكذا كان شأنه صلوات الله وسلامه عليه ونجد أن النبي عليه أفضل الصلاة و السلام أمر بالأخذ بالأسباب في كثير من الأمور ففي غزوة الأحزاب أخذ بالأسباب حيث أخذ بمشورة سلمان الفارسي(2)

(1) - ـ ي: القَضاءُ، ويُقْصَرُ: الحُكْمُ. قَضَى عليه يَقْضِي قَضْياً وقَضاءً وقَضِيَّةً، وهي الاسمُ أيضاً، والصُّنْع، والحَتْمُ، والبيانُ.

(2) - سلمان الفارسي، أبو عبد الله، ويعرف بسلمان الخير، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسئل عن نسبه فقال: أنا سلمان بن الإسلام. أصله من فارس، من رامهرمز، وقيل إنه من جي، وهي مدينة أصفهان وكان ببلاد فارس مجوسياً سادن النار، وكان سبب إسلامه ما اخبرنا ( في سند طويل ) ....قال: حدثني سلمان قال: كنت رجلاً من أهل فارس من أصبهان، من جي، ابن رجل من دهاقينها، وفي حديث ابن إدريس: وكان أبي دهقان أرضه، وكنت أحب الخلق إليه وفي حديث البكائي: أحب عباد الله إليه، فأجلسني في البيت كالجواري، فاجتهدت في الفارسية وفي حديث علي بن جابر: في المجوسية فكنت في النار التي توقد فلا تخبو، كان أبي صاحب ضيعة، وكان له بناء يعالجه زاد ابن إدريس في حديثه: في داره، فقال لي يوماً: يا بني، قد شغلني ما ترى فانطلق إلى الضيعة، ولا تحتبس فتشغلني عن كل ضيعة بهمي بك، فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلون، فملت إليهم وأعجبني أمرهم، وقلت هذا والله خير من ديننا. فأقمت عندهم حتى غابت الشمس، لا أنا أتيت الضيعة، ولا رجعت إليه، فاستبطأني وبعث رسلاً في طلبي، وقد قلت للنصارى حين أعجبني أمرهم: أين أصل الدين? قالوا: بالشام.

فرجعت إلى والدي، فقال: يا بني، قد بعثت إليك رسلاً، فقلت: مررت بقوم يصلون في كنيسة، فأعجبني ما رأيت من أمرهم، وعلمت أن دينهم خير من ديننا. فقال: يا بني، دينك ودين آبائك خير من دينهم، فقلت: كلا والله. فخافني وقيدني

فبعثت إلى النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم، وسألتهم إعلامي من يريد الشام، ففعلوا. فألقيت الحديد من رجلي، وخرجت معهم، حتى أتيت الشام، فسألتهم عن عالمهم، فقالوا: الأسقف، فأتيته، فأخبرته، وقلت: أكون معك أخدمك وأصلي معك? قال: أقم. فمكث مع رجل سوء في دينه، كان يأمرهم بالصدقة، فإذا أعطوه شيئاً أمسكه لتفسه، حتى جمع سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً، فتوفي، فأخبرتهم بخبره، فزبروني، فدللتهم على ماله فصلبوه، ولم يغيبوه ورجموه، وأحلوا مكانه رجلاً فاضلاً في دينه زاهداً ورغبة في الآخرة وصلاحاً، فألقى الله حبه في قلبي، حتى حضرته الوفاة، فقلت: أوصني، فذكر رجلاً بالموصل، وكنا على أمر واحد حتى هلك.

فأتيت الموصل، فلقيت الرجل، فأخبرته بخبري، وأن فلاناً أمرني بإتيانك، فقال: أقم. فوجدته على سبيله وأمره حتى حضرته الوفاة، فقلت له: أوصني، فقال: ما أعرف أحداً على ما نحن عليه إلا رجلاً بعمورية.فأتيته بعمورية، فأخبرته بخبري، فأمرني بالمقام وثاب لي شيء، واتخذت غنيمة وبقيرات، فحضرته الوفاة فقلت: إلى من توصي بي? فقال: لا أعلم أحداً اليوم على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، مهاجرة بأرض ذات نخل، وبه آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه خاتم النبوة، يأكل الصدقة، فإن استطعت فتخلص إليه. فتوفي.

فمر بي ركب من العرب، من كلب، فقلت: أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه، وتحملوني إلى بلادكم? فحملوني إلى وادي القرى، فباعوني من رجل من اليهود، فرأيت النخل، فعلمت أنه البلد الذي وصف لي، فاقمت عند الذي اشتراني، وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشتراني منه، وقدم بي المدينة، فعرفتها بصفتها، فأقمت معه أعمر في نخله، وبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وغفلت عن ذلك حتى قدم المدينة، فنزل في بني عمرو بن عوف، فإني لفي رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لصاحبي، فقال: أي فلان، قاتل الله بني قيلة، مررت بهم آنفاً ومهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكة، يزعم أنه نبي، فو الذي ما هو إلا أن سمعتها، فأخذني القر ورجفت بن النخلة، حتى كدت أن أسقط، ونزلت سريعاً، فقلت: ما هذا الخبر? فكلمني صاحبي لكمة، وقال: وما أنت وذاك? أقبل على شأنك. فأقبلت على عملي حتى أمسيت، فجمعت شيئاً فأتيته به، وهو بقباء عند أصحابه، فقلت: اجتمع عندي، أردت أن أتصدق به، فبلغني أنك رجل صالح، ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة، فرأيتكم أحق به، فوضعته بين يديه، فكف يديه، وقال لأصحابه كلوا. فأكلوا، فقلت: هذه واحدة، ورجعت.وتحول إلى المدينة، فجمعت شيئاً فأتيته به، فقلت: أحببت كرامتك فأهديت لك هدية، وليست بصدقة، فمد يده فأكل، وأكل أصحابه، فقلت: هاتان اثنتان، ورجعت.

فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد، وحوله أصحابه، فسلمت، وتحولت أنظر إلى الخاتم في ظهره، فعلم ما أردت، فألقى رداءه، فرأيت الخاتم، فقبلته، وبكيت، فأجلسني بين يديه، فحدثته بشأني كله كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجبه ذلك، وأحب أن يسمعه أصحابه، ففاتني معه بدر وأحد بالرق، فقال لي: كاتب يا سلمان عن نفسك، فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته، على أن أغرس له ثلاثمائة ودية وعلى أربعين أوقية من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعينوا أخاكم بالنخل"، فأعانوني بالخمس والعشر، حتى اجتمع لي، فقال لي: فقر لها ولا تضع منها شيئاً حتى أضعه بيدي، ففعلت، فأعانني أصحابي حتى فرغت، فأتيته، فكنت آتيه بالنخلة فيضعها، ويسوي عليها تراباً، فأنصرف، والذي بعثه بالحق فما ماتت منها واحدة، وبقي الذهب، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة، من ذهب أصابه من بعض المعادن، فقال: "ادع سلمان الفارسي المكاتب"، فقال: "أد هذه"، فقلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه مما علي? وروى أبو الطفيل، عن سلمان، قال: أعانني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب، فو وزنت بأحد لكانت أثقل منه. ( أسد الغابة ) .

١٤ / ٣٨