الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٥وإن دلت هذه الردود على شيء فأنها تدل على التنافر الطارئ بين الفرق الإسلامية انطلاقا من اختلاف مواقفهم تجاه القرآن والسنة، ونحن نعلم أن هذا التنافر عزف عليه أهل السياسة عزفا قويا من وقت مبكر، وقد بينا في الفصل الأول كيف أن وضع الإباضية تحت عنوان الخوارج جنى عليهم جناية ظلوا يتحملون تبعاتها الى يومنا هذا.
ووددنا لو سلك الشماخي مسلكا أكثر رصانة- لقدرته العلمية- واستغل النقط التي تقرب بين مختلف الفرق، مع توضيح أن الخلاف الاجتهادي لا ينبغي أن يؤدي إلى صراع وتنابز لكن أنى له ذلك والإباضية تفتك مساجدهم ويجلون عن ديارهم.
ومما يؤيد ذلك أن قضاة طرابلس أعلنوا رفضهم لشهادة الإباضية سنة 1155 هـ لا لشيء إلا لأنهم إباضية، فانبرى يوسف المصعبي بلهجة رصينة هادئة فحاج هؤلاء الفقهاء بمصادرهم، وكاتب واليهم أحمد باشا مما اضطرهم إلى التراجع عن موقفهم وقبول شهادة الإباضية من جديد وقد عثرنا على رد عن شكوى الإباضية بختم حسين باي تونس (1117 - 1153/ 1705 - 1740) مفاده إقرار " شهادة الإباضية سنة 1120/ 1709 لأن شهادة من أتى بالقول والعمل أصح ممن أتى القول وضيع العمل"(1) ولم نعثر على الشكوى والراجح أن موجهها يوسف المصعبي نفسه. وقد سلك سعيد الجادوي نفس المسلك عندما قرر سلطان مراكش اسماعيل بن شريف منع الإباضية من تعاطي التجارة في مملكته لأنهم يطعنون في الخليفتين أبي بكر وعمر.
إن مجموعة هذه الردود بينت أن الصراع لم يبق صراعا فكريا نظريا وإنما تحول إلى إصدار أحكام قاسية ضد الإباضية تمنعهم من حق من
(1) / ر. الجعبيري: نظام العزابة: 309