الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٢فواضح إذن أن المصادر الإباضية تلتقي مع المعتزلة ومع المتأخرين من الأشاعرة(1) في تأويل الاستواء.
كما أنها استفادت استفادة عريضة من صيغ الجمل التي ورد فيها ذكر الاستواء فألحت على معنى حرف الجر " على " ودلالته على القدرة وعلى معنى " ثم" الذي يفيد المعية لا الاستئناف وعلى ورود صيغة الاستواء للدلالة على استعلاء في القرآن الكريم وفي كلام العرب. وهذا يتماشى مع الفكر الإباضي عامة الذي يرى ألا سبيل الى الاستفادة من هذه النصوص إلا بتأويلها حسب ما يتماشى وجلال الله تعالى.
وبعد هذا التحليل يحسن أن نستجلي الأبعاد الحضارية لهذه القضية.
لقد صرح القرآن نفسه أن من آياته ما هو محكم ومنها ما هو متشابه والآية تحتمل في نصها أن يكون المتشابه من علم الله فحسب كما تحتمل أن يكون للراسخين في العلم نصيب في فهم هذا المتشابه على أساس أن
(1) / مثل أبي حامد الغزالي وقد قال:" العلم بأنه تعالى مستو على العرش بالمعنى الذي أراد الله بالاستواء، وهو الذيس لا ينافي وصف الكبر ياء، ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما (ثم استوى إلى السماء وهي دخان (القرآن قال الشاعر: (رجز)
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل، كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله (الحديد4) إذ حمل ذلك بالاتفاق على إحاطة والعلم ن (وهو معكم أينما كنتم (تعالى (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان) على القدرة والقهر، وقد حمل (وحمل قوله (الحجر الأسود يمين الله في أرضه) على التشريف والإكرام لأنه لو ترك على (قوله ظاهره للزم منه المحال، فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسما مماسا للعرش، إما مثله أو أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال. الأحياء1/ 186.