البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩٦

النور بمعنى الهداية والدنو بمعنى سرعة الإجابة، وما إلى ذلك من التأويلات التي ذكرنا.

وبقدر ما كانت المعركة نسبيا هادئة في شأن كثير من التأويلات فإنها احتدت أكثر في قضية الاستواء فلم يقبل الإباضية البتة أن يكون الاستواء على العرش كاستواء الأمير على السرير كما لم يقبلوا السكوت عن الإجابة عن الكيف إذ يعتبرون ألا كيف.

وفعلا فقد رأينا في الرسائل التي تهجمت على الإباضية أن الهجوم يركز على قولهم في الاستواء واعتباره بدعة إذ منطلق هؤلاء إما الوقوف وهو الغالب وإما فهم النص على ظاهره.

وهنا يحسن أن نشير أن صدى مثل هذا التأويل يتجلى في المستوى النظري أكثر لكن لا يخلو من أثر في عامة الناس الذين كانوا يحضرون دروس مشائخهم الذين يتوسعون في تحليل هذه القضايا في حلقاتهم الخاصة وهذا من شأنه أن يجعل شيئا من الجفوة بين الناس أساسه احتراز الأكثرية من هذه الأقلية الخارجية المبتدعة وانتباه الأقلية من الذوبان في هذه الأكثرية المشبهة ولهذا قل أن نجد الاندماج الكلي بين الطرفين حتى في مستوى السكن وكثيرا ما يتم التنابز بين المتعايشين بكلمات عامة تحمل في طياتها من جملة ما تحمل خلفيات الفوارق في هذا التصور العقائدي.

هذا في المستوى الحضاري المعاش أما في المستوى العلمي النظري فقد أدى الاختلاف في هذه القضية كلا من الطرفين إلى الوقوف عند الآية المعبرة عن الاستواء كلمة كلمة.

فتفنن كل لتطويع حرف العطف " ثم" وحرف الجر" على" لما يوافق منطلقه واللغة مطواع لذلك فمن أراد منها معنى الحقيقة تعطيه ومن أراد منها المجاز لا تعوزه.

٢٩٦ / ٩١٨