البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩٥

الجانب الأول لغوي: فعلى المتأول أن يكون ملما بأسرار اللغة العربية وفعلا فقد اجتهدوا اجتهادا كبيرا في استقصاء البحث في القرآن والحديث واللغة لكل كلمة تأولوها وأثبتوا من خلال ذلك أن النص القرآني لو حمل على ظاهره لتناقض في عديد من المواطن.

وفي هذا الباب حذروا من خطرين: أولهما اجتناب تأويل القرآن وفق الهوى عن علم وذلك رغبة في التلبيس على الخصم أو عن جهل فيميل الفهم عن الصواب.

وثانيهما اجتناب التسرع إلى التأويل بظاهر العربية من غير استقصاء المنقول في شأن النص.

أما الجانب الثاني فيتمثل في شعورهم بان معجزة القرآن تتجلى في باب التأويل والاستنباط على أساس الإخلاص لله تعالى وفي هذا فتح لباب الاجتهاد الذي يجعل القرآن الكريم صالحا لكل زمان ومكان.

وإن اتضح المنطلق الدفاعي في النقل والعقل فإن مظهره يتجلى في حرص الإباضية على تأويل جميع النصوص المتشابهة في حق الله تعالى وفق منهج معين يرمي إلى تنزيه الله تعالى عما يوهم التشبيه وظلوا بذلك أوفياء إلى الآية التي جعلوها محور الحديث عن الذات والصفات (ليس كمثله شيء).

ويتمثل هذا المنهج في الانطلاق من موقف الطرف الذي ينكر التأويل مع ذكر ما يحتج به ثم يتدرج به شيئا فشيئا للوصول إلى التأويل المطلوب اعتمادا على نصوص مختلفة.

كما أن هذا التحليل يدعم من حين لآخر بقول بعض من الذين ينتمون إلى الطرف المقابل بالتأويل القائم على المجاز وقد تحتد اللهجة أحيانا إلى درجة الحط من مواقف الآخرين.

وهكذا جاءت النفس بمعنى الذات والعين بمعنى العلم والحفظ وجاء

٢٩٥ / ٩١٨