البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٩٤

وبعد هذا يحسن أن نشير إلى مسألة تتصل بالخلق، فبما أنه مخلوق فهل هو جسم أو عرض؟

الكلام شيء وعرض:

وإن بينت المصادر الإباضية أن القرآن مخلوق فإنها لم تعتبره جسما لأنه لو كان جسما لكان قائما بنفسه ومحتملا للصفات بل تعتبره شيئا مصدقا لقوله تعالى: ( … إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى .. ) (6 الأنعام 91).

كما تعتبره عرضا فهذا الوارجلاني يقول:" وقوله: عرض فعله تعالى في غيره وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى … "(1) كما أن محمد اطفيش يعبر عن نفس المعنى بقوله:" وأي ضرر في أن القرآن عرض يفنى ويتجدد تقيده القلوب والأوراق … وليس كل محدث سريع الفناء فهل العرش والكرسي والسماوات والأرض ونحوهم سريعو الفناء .... "(2).

فالقرآن حينئذ كلام الله مخلوق ليس بجسم(3) إلا أنه شيء وعرض.

وما دام القرآن فإن له وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارات، ووجودا في الكتابة، لكن عند التأمل يثبت أن ما في الخارج ليس مدلول ما في الذهن بل مدلول اللفظ، وعلم الله يتعلق بجميع ذلك ومن هذا المنطلق صح التفسير والتأويل(4).

(1) / أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1،1/ 69

(2) / امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/ 273

(3) / وفي هذا رد على بعض المعتزلة وعلى عبدالله بن يزيد الفزاري من الإباضية. انظر ما سبق: 350 و 361.

(4) / ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 14 - 15

٣٩٤ / ٩١٨