الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٤الشروح قائما على الرد على المعتزلة وعلى الجبرية، وبعد استغلال حجج هذا الطرف على الطرف الثاني يستقر الموقف الوسط ويدعم بحجج نقلية وعقلية، فتغلب النزعة العقلية عند البعض أمثال أبي عمار والسدويكشي وتغلب النزعة النقلية عند البعض الآخر مثل ما نجد عند الجيطالي ويوسف المصعبي.
فواضح إذن أن نزعة الإباضية والزيدية والأشاعرة والماتريدية جاءت توفيقية دون أن تغفل عن أن الإنسان مجبر في ما هو خاضع للإرادة الكونية مما سموه بالاضطرار وأنه مكتسب في ما يقع تحت دائرة الاختيار ويبقى الله تعالى خالق كل شيء.
وبعد هذا ندرك أن القضاء سيظل سرا من أسرار الله تعالى مهما حاول الإنسان أن يكشف هذا السر وسيظل الإنسان لاهثا وراء استكشاف هذا السر عسى أن يقف أمام الغيب وجها لوجه كما يقف أمام قضايا أخرى.
أما المؤمن الذي أيقن بعقله أن القرآن من الله، وآمن بأن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذا القدر يتجلى له في كل حركاته وسكناته فكم من مرة يقدر أن يفعل كذا فلا يتم إلا ما قدر الله، وكم من مرة يقدر ألا يفعل كذا فلا يتم إلا ما قدر اله كما يتجلى في ما حوله من أحداث تدفع إلى التسليم بالقدر فهذا يسقط من الطابق السادس فلا يصاب بسوء وما يكاد يستبشر بوضعه فيذهب ليأتي لأصحابه بالمشروبات تعبيرا عن الفرح حتى تدوسه سيارة تقضي عليه وهذا قطار يكاد يدوس رجلا عابرا من سكته فيتحول في تلك اللحظة عن مجراه ليصطدم بمسكن مجاور فيقضي عليه وعلى من فيه، وما إلى ذلك من الأحداث التي يحار العقل أمامها.
ولعل من أحسن ما يمكن أن تفصل به المسألة أن تبقى قضية القدر في دائرة الإيمان وأن يوضع الفعل في دائرة الشرع وليجتهد الإنسان في العمل مع العلم أن كلا ميسر لما خلق له.