البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٨٣

والإباضية كبقية الفرق الإسلامية تلمس في تراثهم إدراكهم أن قضية القدر من غوامض علم الكلام، وأن الالتجاء إلى تحديد جهتين للفعل الواحد، الخلق لله، والفعل للإنسان ليس معناه الشركة، وإنما هو مخرج من مضيق ولذا تجد أن هذا الفكر تفاعله مع الأحداث تقوى فيه نسبة الاقتراب من الجبر كما جاء عند علماء جبل نفوسة القائلين بالجبل وتقوى فيه نسبة الاقتراب من الاختيار كما جاء ذلك عند علماء المغرب، إلا أن النزعة التي بقيت طاغية عند الإباضية عامة هي تقوية نسبة الاختيار حتى يتحمل الإنسان مسؤوليته وتتجلى الحكمة في الأمر والنهي في ما يترتب عنهما من الثواب والعقاب، وتتميز حركات الاختيار عن حركات الاضطرار مع اعتقاد أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه على كل شيء قدير.

ويتلخص موقفهم في قولهم إن فعل العبد لا يوجد إلا بخمسة:

1 - إرادة الله تعالى.

2 - إرادة العبد.

3 - اكتساب العبد.

4 - إعانة الله إن كان طاعة وخذلانه إن كان معصية

5 - خلقه له في وقت الفعل لا قبله ولا بعده.(1)

والجدير بالملاحظة أن المنهج المتبع في كل هذا الخصم هو منهج علم الكلام عامة إذ يكون المنطلق من النصوص قرآنا وسنة ثم يأتي تأويلها وفهمها حسب مقتضيات اللغة، وملابسات القضية، وارتباطها بسائر الفكر الإباضي وهذا يتجلى بوضوح عند ربط القضية بإرادة الله مع اعتبارها من صفات الذات وعند تبيين أن الاستطاعة مع الفعل وأن الكسب لا يتم إلا بعون الله إن كان طاعة وبخذلان الله إن كان معصية.

وقد جاء المنهج العام في تقرير القضية في التحاليل النظرية وحتى في

(1) ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/ 183.

٤٨٣ / ٩١٨