البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠٣

ومار الخلاف بين النزعتين في النظر إلى الإيمان الحالي أو الإيمان في المستقبل، فأما من نظر إلى الإيمان الحالي فلم يجز الاستثناء لأن ذلك يوحي بالشك في الإيمان، وأما من نظر إلى الإيمان في المستقبل وإمكانية بقائه إلى النهاية، وإمكانية زواله قبل الموت، فقد أجاز الاستثناء لأن فيه تفويضا إلى الله تعالى، والأساس في النهاية هو ما قال به الغزالي وهو التعليق بالمشيئة للتبرك لأن الإنسان لا يعلم خاتمة أمره، والمدار على الخواتم.(1)

ويذهب ابن حزم إلى أبعد من هذا بالنسبة إلى من يعلم من نفسه أنه مؤمن فيقول:" فواجب عليه أن يقول إنه مؤمن مسلم قطعا عند الله تعالى في وقتي هذا، ولا فرق في قوله أنا مؤمن مسلم، وبين قوله أنا أسود أو أنا أبيض وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها، وليس هذا من باب الامتداح والعجب في شيء"(2).

إلا أنه لا يغفل في نهاية الفصل عن التنبيه إلى تفويض أمر المستقبل إلى الله إذ (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا" (31 لقمان 34).

هذا في ما يتعلق بقضية الاستثناء فماذا عما بقي من ملاحظات عن تعريف الإيمان وما يترتب على التوقية في الدنيا والآخرة؟

ولا بأس هنا من التنبيه إلى أن الإباضية يعتمدون في التعريف أحيانا في الأضداد وفي هذا يقول الشماخي:" فالإيمان توحيد يقابله الشرك، وغير توحيد يقابله كفر النعم"(3).

(1) ر. تعليق محمد الطالبي: فصل الإرجاء، دراسات في تاريخ إفريقية. 372 عدد1

(2) ابن حزم الفصل: 3/ 228

(3) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:34

٥٠٣ / ٩١٨