البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠٥

ومن مات من غير الوفاء فإنه=يكبكب في ذات السعير على الذقن

(1)

ويحلل الجيطالي المعنى كما يلي:" البيت الثاني يقول من مات على غير الوفاء بجميع الفرائض، وترك جميع الكبائر، فمصيره إلى النار والبوار، فإن قال القائل: كيف أبطلتم جميع طاعات العبد بترك خصلة واحدة؟ قيل له: (أوف بعهدكم) إن الثواب متعلق بالوفاء بجميع الدين، كما قال الله تعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) (2 البقرة 40) فمن لم يوف بعهد الله فلا عهد له، ولأن الثواب فضل من الله تعالى من غير وجوب ولا إيجاب لأنه المالك القهار.

وأما في جوده وكرمه فنعم، فكما قال الله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) (30 الروم47)، وله على عباده الأمر والنهي، فإن انزاحوا عن محارمه وامتثلوا أوامره، كان لهم عليه الوفاء فضلا وكرما، فإن تركوا خصلة منها كان عليهم العقاب فضلا عن الثواب"(2).

هكذا يتضح أن في موقف الإباضية صرامة لا تصل إلى ما ينسب إلى الصفرية والأزارقة من شدة تتمثل في نفي عمن لم يهاجر إليهم، وتبعد بهم عن انحلال المرجئة الذين دفعوا الأمة الإسلامية إلى الاستهانة بالعمل أمرا ونهيا.

ومن هنا يتضح البعد الحضاري لهذا التصور الذي لم يتزحزح عنه الإباضية العارفون بعقيدتهم إلى يومنا هذا، ولن تتكامل الصورة إلا بعد معرفة موقفهم من حقيقة الكفر.

(1) أبو نصر فتح بن نوح: النونية البيتان 88. 89:

(2) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة: 6/ 69 نقلا عن شرح النونية للجيطالي.

٥٠٥ / ٩١٨